المزيد
 

المزيد
 

عرض النتايج
 


الظفيري يكتب عن : عجز الثقة.. وجلد الفاجر


 الظفيري يكتب عن : عجز الثقة.. وجلد الفاجر
تعوذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في زمانه الراشد من صنفين من الرجال قائلا: (اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر ومن عجز الثقة) تعوذ من الفاجر المثابر والجريء القوي، ومن الثقة الصالح السلبي المستكين الذي يضعفه انتفاش الفساد وعلوه وبطء جولة الإصلاح وتأخره.


الثقة العاجز لن يفيد بشيء مادام السنن الإلهية في التدافع بين الناس، تلك السنن التي تقضي بسعي الجميع لتحقيق أهدافهم، فكما أن دعاة الإصلاح يسعون ويجتهدون في دعواتهم فكذلك المفسدون والجهلة لا يقفون عند حد في تحقيق غاياتهم أو غايات من يحركهم!! والعاجز عندما تعرض له العوارض تقعده عن استكمال الطريق وتثنيه الشائعات وتحبطه جولات الكر والفر لذا كان المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.


من منا تدبر هذا التوجيه النبوي الرائع (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا فإن لو تفتح عمل الشيطان).


وفي ميدان السياسة من ذلك الكثير فنجد عجزا لبعض الثقات الذين يتأثرون بالأراجيف وييأسون من الإصلاح مكتفين بصلاح أنفسهم، فالثقة العاجز يستطيع إصلاح نفسه فقط ، غير أنه لا يساهم بشكل فعال في إصلاح مجتمعه الذي يحتاج أساسا إلى الثقة الصالح المصلح أيضا، الذي تتجاوز رسالته ذاته إلى بذل كل المساعي والجهود لإصلاح المجتمع بالوسائل المتاحة له ولو كانت يسيرة قليلة، هناك نوعية من الناس يظنون أنهم بعباداتهم فقط- رغم وجوبها- قد أدوا ما عليهم تجاه مجتمعهم وبلدهم، غير أن الحقيقة ليس كذلك، وما هم في ميزان الإصلاح إلا كنقط مضيئة يعلوها غبار يحول بينها وبين التوهج والإشعاع.


الإصلاح ليس بحاجة إلى عابد غافل، ولا إلى زاهد جامد يراوح مكانه، بل هو في أمس الحاجة إلى عابد متنبه ومتيقظ، وإلى ساجد مرتفع الهامة، وإلى زاهد يمسك بتلابيب الحياة لبلوغ مرمى الآخرة. والسياسي المحنك الواعي يبصر الآفاق السامية لمنهج الإصلاحي فيسعى للارتقاء بوطنه وأمته.


إن عجز الصالح الثقة على التفاعل مع محيطه القريب قبل البعيد، والمساهمة في إصلاح المجتمع يجعله يتأخر ويرضى بالسلبية منهجا، فارا من مواجهة المشاكل وتحدي العراقيل، مفضلا السلامة والدعة والعيش في هناء، قد يلهيه كسب قوت يومه وغده، وقد يغرق في التفاصيل المملة لواقعه، يتبع سير السفهاء ويرنو إلى عيش الغوغاء.. وإن سألته عن حاجة المجتمع لصلاحه وإصلاحه، بسط أمامك ألف عذر وعذر ليقنعك أنه مفيد في حالة سكونه وتقوقعه أكثر من انطلاقه وحركيته في ظل واقع موبوء لا يشي بالخير.. وميزان الاعتدال في ذلك أن الفرد الثقة الصالح ينبغي أن يكون صالحا لنفسه ومصلحا لمن حوله، وثقته تقاس أساس بمدى عطائه الفردي والجماعي، وحجم تأثيره الإيجابي والفعال في محيطه.


الثقات العاجزون يمنحون- بسبب عجزهم وسلبيتهم- فرصا تلو الأخرى للسفهاء الذين يستطيعون- بفضل دهاء من يحركهم- أن يسيروا دواليب حياة الناس ويدبروا شؤونهم.


وهؤلاء أيضا رغم جلدهم وعناصر التفوق في شخصياتهم لا يفيدون المجتمع بقدر ما يسيئون إليه. وهو الصنف الثاني الذي تعوذ منه الفاروق عمر رضي الله عنه.


ويبرز مثال جلد الفاجر وجرأته على سلب الوعي والفساد في بعض القائمين على وسائل الإعلام والصحافة، حيث ينبرون للدفاع عن المفسدين رغم قبحهم، وعن توجهاتهم رغم دناءتها، يدافعون عنها دفاعا شرسا، حتى أنه قد تنطلي الحيلة على البعض من شدة حرصهم على الذود عن حياض أهدافهم الموغلة في الفساد، وهو فساد قديم قدم البشرية نفسها، إنما تتجدد الوجوه والأماكن والأزمنة، ويظل الصراع بين الإصلاح والفساد هو جوهر شتى مناحي حياة الإنسان.


وجرأة الفاجر رأيناها ونراها في الإعلام الفاسد الممول بالمال السياسي الذي يحاول جاهدا تغييب وعي المواطنين وتشويه الحقائق وبث الأحقاد والفتن بين أبناء المجتمع لضرب وحدته وتماسكه!!


وهذا هو دأب الفاجر حين يكون ذا جلد وجرأة وقوة، تجده يدافع عن باطله كأنه الحق الذي لا مراء فيه، ويستعمل جميع إمكانياته الذاتية والموضوعية ليقوي من مركزه ويساعد أعوانه في الشر والزيغ والفساد والإفساد.. وهكذا إن كان الثقة الصالح عاجزا لا يصح من حوله، فإن الفاجر يكون صابرا مقداما، فاسدا في ذاته ويتفنن في إفساد محيطه.


والميزان المطلوب الذي يحتاجه المجتمع في واقعنا الحالي هو الجمع بين الصفتين الحميدتين في الفئتين معا: الجلد والقوة عند الفاجر، والثقة والصلاح عند العاجز.


وهذان عنصران أساسيان في بناء كل نهضة ولتحقيق الصلاح، وما أحوجنا اليوم قبل أي وقت مضى لأناس يمتلكون الشخصية القوية المؤثرة، ومعهم ما يكفي من الصلاح والتقوى والورع.


فدعاء عمر رضي الله عنه: "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر ومن عجز الثقة"، مثل الخصال الطيبة في هذين النوعين من الناس وجسدها في أدق عبارة وأجملها، فما أحوجنا إلى تجسيد الجلد والقوة مع الحق، حتى يحفظ المجتمع من جلد الفاجر ومن عجز الثقة.
 



تعليقات القراء

للتعليق إضغط    هنا
 
مواقيت الصلاة اليوم حسب التوقيت المحلي لمدينة الكويت و ضواحيها  الطقس 
الفجر الشروق الظهر العصر المغرب العشاء
04:10:00 05:30:00 11:45:00 03:16:00 05:59:00 07:18:00
جميع الحقوق محفوظة للحركة الدستورية الإسلامية