جمعني حوار بأحد الأصدقاء المختصين بالدراسات الإحصائية والمستقبلية، وشدني حديثه بشأن عدم وجود سياسات ثابتة في الدولة أو تنسيق بين الجهات المسؤولة فيها أو عدم وجود تخطيط مركزي شامل تنتظم فيه مؤسسات الدولة وأجهزتها باتجاه واحد وبتوجهات مستهدفة ومقصودة، وقد استوقفني حديثه عن كمّ الخسائر المالية والموارد البشرية بالإضافة إلى تعرقل المشروعات وتعطل التنمية التي تعاني منها الدولة بسبب غياب ذلك.لم يكن حديث صديقي هذا سهل الهضم، فقد تداخلت فيه كثير من المعلومات والعبارات والقضايا حتى أنني أشفقت على الحال التي فيها البلد من دون أن أفهم طرحه بشكل واضح، ولم أستطع أن أخفي ما في نفسي في هذا الخصوص، فبادرته بسؤال مباشر: ليتك توضح ما تود إيصاله بصورة أدق وبمعلومات أوضح؟ فأطرق قليلا وهو ينظر إلي ثم قال: هل تعلم أننا في الكويت قد انتقلنا إلى القرن الحادي والعشرين فقط باعتبار دخولنا إلى سنوات هذا القرن، لكننا حتى اللحظة لم ننتقل بالمؤهلات والإمكانات التي يجب أن نواكب بها دخولنا ألفية جديدة وقرنا جديدا، وخذ عندك على سبيل المثال كيف أن الفشل تلو الفشل الذي تعيشه الدولة نابع من سياسة ردود الأفعال، لا من المبادرات أو التخطيط أو التفكير المستقبلي، فنحن نتكلم في هذه الأيام عن وفرة مالية في موازنة العام الحالي فقط تبلغ 8 مليارات دينار وتراكماتها في السنوات الأربع الماضية بلغت 30 مليارا، ولكننا حتى هذه اللحظة لم نعرف كيفية التعامل مع هذه الوفرة المالية، وإنما فقط نبشر بأحاديث للاستفادة منها كردة فعل على تراكمها. وأضاف صاحبي هذا قائلا: خذ عندك آخر ثلاثة وزراء للإسكان، جميعهم قد بشرنا بأن المشكلة الإسكانية ستُحل في غضون خمس سنوات، علما بأن قانون توفير الأراضي الإسكانية مضى على صدوره 15 عاما ولا تتوافر في الدولة حتى الآن أكثر من أراض لمشروعات إسكانية بحجم 45 ألف وحدة سكنية، والاحتياج اليوم يفوق 80 ألف وحدة سكنية، فمن أين يا ترى سنستطيع توفير كل ذلك ومتى وكيف؟ هل بردود الأفعال أيضا؟ وخذ عندك أيضا النمو الكبير في السكان الذي بلغ ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف نسمة، بالمقارنة مع عددهم عند التحرير، حيث كانوا مليونا ومائتي ألف نسمة، فالعدد تضاعف ثلاث مرات في عشرين سنة، ولم يتم أي تغيير في البنى التحتية للدولة ولا في مرافق الرعاية الصحية أو التعليمية أو الخدمات الأساسية بما في ذلك شبكات الطرق والمواصلات والاتصالات.. فهل تدرك يا صديقي بأن بنية الدولة التحتية ومرافقها كانت وفقا لمخططات سابقة على أساس مليون ونصف المليون نسمة، وكل ما تراه من محاولة توفير الخدمات أو المرافق هي عبارة عن ردود أفعال ومسكنات، وليست عبارة عن خطط وبناء مستقبل، وخذ عندك أيضا ما تسمى بالمشاريع الكبرى التي لا تحقق لا نموا سكانيا ولا تنمية عمرانية ولا بيئة صديقة للإنسان، وإنما فقط مشاريع لاستنزاف الوفورات المالية التي تكونت في السنوات الأربع الماضية.وخذ عندك أيضا.. فعاجلت صديقي مقاطعا له: يكفي ما سمعت ولا أريد أن تكمل لأن رسالتك من هذا الحديث وصلت، ولست مضطرا إلى أن «أغث» الناس أكثر مما سمعت، أملا في أن أبقي لهم مساحة للتفاؤل، كما أنا أبقيت لنفسي دائما مثل هذه المساحة مدركا أن بقاء الحال من المحال، وأن رياح الإصلاح والتغيير لا بد من أن تهب علينا بخيرها وعلى أيدي المخلصين من أبناء هذا الوطن.