قبل ما يزيد عن العامين سارعت الكويت في مبادرة عدت مغامرة الى تعيين سفير معتمد لدى بغداد وهو الفريق المتقاعد علي المؤمن ، وكان المقدر ان تبادر الحكومة العراقية من طرفها الى تعيين سفير لها لدى الكويت.. غير ان العراقيين تباطؤوا الى درجة التجاهل.. ولم يعلنوا عن الاسباب لتأخر تعيين السفير المنتظر.الا انهم وبدلاً من ذلك وفي خطوة كانت مفاجئة وغير مناسبة في توقيتها دعوا الكويت الى لقاءات ثنائية لاتفاق على قضايا الحدود والديون والتعويضات وغيرها من القضايا العالقة وغير المحلولة بين البلدين. متجاهلين المجتمع الدولي ومتجاهلين القرارات الصادرة عن مجلس الامن وفقا للفصل السابع من الميثاق الاساسي لتأسيس الامم المتحدة في شأن غزوهم للكويت في الثاني من اغسطس 1990 زاعمين ان الحدود الفاصلة بين البلدين انتزعت اراضي عراقية واعطيت للكويت. رغم ان القرار (94/833) في شأن تحديد الحدود الصادر عن مجلس الامن قد اعتمدته كافة المؤسسات السياسية العراقية حينذاك ووافقت عليه واودع كوثيقة رسمية معتمدة لدى مجلس الامن، ورغم الحاح العراقيين على مجلس الامن عن مغبة الخروج من الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة الا انهم في الجانب الاخر يتعاطون مع الكويت كما لو انها اقليم ملحق بالدولة العراقية متجاهلين حقوق الكويت السيادية ومتجاهلين ايضا القرارات الاممية في الحدود والتعويضات (وهي التعويضات الناشئة عن اضرار الغزو) وغير ذلك الذي يتوجب على الدولة العراقية تلبيته قبل الشروع عن رفع الوصاية والخروج من طائلة الفصل السابع. فلقد كان يتوجب على الدولة العراقية الاسراع الى تعيين سفير معتمد في الكويت، الا انهم اثروا المماطلة والتسويق اخذين من موضوع تعيين السفير مصدراً للمساومة والضغط على الكويت، وهذا لئن يؤكد على أمر، فإنما يؤكد ان نواياهم حيال الكويت لم تتغير ، على الرغم من الزيارات المتكررة والتصريحات المغلفة بمشاعر الاخوة والاطمئنان.لقد جاء اعلان تعيين السفير العراقي في الكويت مفاجئا وفي التوقيت غير المناسب، لذلك حمل الكثير من التساؤل والاستغراب، فالدولة العراقية منشغلة حاليا بكافة ساستها ومؤسساتها السياسية بالقضية الانتخابية، وهذا الاعلان جاء عشية الانتخاب على شكل تصريح صحافي لاحد وكلاء وزارة الخارجية العراقية، لا بيان رسمياً من الوزارة المذكورة ويبدو ان تسريب اسم السفير الذي هو السيد محمد حسين بحر العلوم (الشيعي) في هذا التوقيت كان مقصوداً من احد الاطراف اللاعبة في المشهد الانتخابي العراقي، أو من داخل الخارجية العراقية، فالمعلوم أن مسألة تعيين السفير العراقي لدى الكويت ظلت محل التجاذب والخلاف بين الكتل والأحزاب العراقية، وهذا يبدو أحد أسباب تأخر إعلان اسم السفير فثمة رأي كان يتداول أن يكون السفير من الطائفة السنية على أساس إيجاد مواءمة بين السفير الكويتي لدى العراق (الشيعي) علي المؤمن وسفير عراقي سني لدى الكويت، وكان هذا الرأي محل اتفاق بعض الكتل الشيعية لا سيما المجلس الإسلامي الأعلى (عمار الحكيم) وحزب الدعوة (نوري المالكي) إلا أن السيد محمد بحر العلوم والد السفير محمد حسين بحر العلوم سعى من جانبه مرارا إلى تزكية نجله لتمثيل العراق سفيراً لدى الكويت، ولا ريب أن السيد محمد بحر العلوم بحكم علاقته القديمة مع الكويت حيث عمل في سلك القضاء الكويتي محبوباً ومعروفاً ومقدراً لدى أوساط الحكم ولدى الأوساط الشعبية الكويتية، فلا يحس بالوحشة أو الغربة كلما زار الكويت ولذلك فإعلان تعيين محمد حسين بحر العلوم اسماً لم يكن مفاجئاً لكن المفاجأة في التوقيت.إن العلاقة الكويتية العراقية ينبغي أن تقفز من المسائل الخلافية إلى فضاء المصالح المشتركة، ولا ريب أن هناك الكثير من المشتركات التي لو وظفت على نحو جيد لتجاوز البلدان الكثير من المسائل الخلافية والحساسيات الماضية، من هنا كان على السفير العراقي القادم إلينا بذل الكثيرمن الجهد لتذليل المسائل العالقة والعاجلة خاصة مسائل الحدود والحقول النفطية المشتركة ومنازل العراقيين المتاخمة للحدود الكويتية.ما إن أعلن عن اسم السفير العراقي المعين لدى الكويت حتى علت أصوات معارضة تطالب الخارجية الكويتية رفض تعيينه، والطلب من الحكومة العراقية اختيار بديل عنه ولعلنا من غير اللائق الدخول في النوايا، ولكن المعارضة أو الرفض يتركز كون السفير من الطائفة الشيعية، فلو كان سنيا لرحبوا به. إن رفض أو قبول السفير ليس شأنا نيابيا حتى يرفضوا أو يوافقوا بل هو من صميم أعمال السلطة التنفيذية، وسلطة سمو أمير البلاد الذي يتقبل أوراق اعتماد السفراء المعينين لدى البلاد، وكان الأجدر من هؤلاء النواب الرافضين للسفير العراقي أن لا تعميهم العصبية الطائفية على مصالح الكويت، هذا رغم أن إعلان اسم السفير طلع أكذوبة بعدما نفى الوكيل الأقدم في وزارة الخارجية العراقية لبيد عباوي الخبر، موضحا أن تعيين السفراء لدى رئيس الوزراء هذا وبغض عن صحة خبر تعيين السفير العراقي لدى الكويت، إلا أن الأهم هو تجاوز الخلافات العالقة التي بين البلدين حتى يمكن الانتقال بلا معوقات إلى المرحلة التالية، فالحديث عن المشتركات والحديث عن المصالح هو الأهم ومن المعيب، بل من المخزي بل من الأنكى على وطننا أن نختلف على مسائل لا يد لنا بها...!! الوطن : 8/3/2010