ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه

رئيس مجلس 1985 أحمد السعدون متوسطاً النواب محمد الرشيد وجاسم القطامي في تجمع بديوانية الرشيد
 
الديوانيات تحتضن التحرك لاستعادة الدستور ومواجهة الانفراد بالسلطة
تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً
(1)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاما وتحديدا في الرابع من ديسمبر 1989، كانت الكويت تعيش زمنا مأزوما بلا دستور، حينئذ بدأت «الحركة الدستورية» (تحالف شعبي موسع قاده 30 نائبا في مجلس الأمة الذي حُلّ عام 1986) وفعاليات مبدعة المطالبة بإعادة الدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الحقبة في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإن من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى.

ولربما كان هناك حاجة الى مزيد من التحليل المركز لما جرى من احداث في اطار نشاط الحركة الدستورية و«ديوانيات الاثنين» كواحدة من ابرز انشطتها السلمية للمطالبة بعودة العمل بالدستور. ومازال هناك مجال لدراسة تلك الحركة التي نجحت في نهاية الامر في فرض اجندتها وإعادة العمل بالنظام السياسي الدستوري مجددا بعد تحرير الكويت من براثن الغزو الغاشم حتى جرت الانتخابات البرلمانية في اكتوبر 1992.

وقد نشرت في هذا المجال عدة دراسات، كان أولها دراسة الدكتور جاسم كرم عن انتخابات المجلس الوطني، وقد احتاج إلى أن يؤصل لمبررات ذلك المجلس لأنه كان مجلسا من خارج رحم الدستور. ثم جاءت دراسة الدكتور فلاح مديرس التي ركزت اطارها على الحركة الدستورية ذاتها، ثم أتحفنا يوسف المباركي بكتابه التوثيقي الذي وثق فيه للحركة الدستورية بصورة شاملة، ومازلت أظن أن هناك حاجة إلى المزيد لفهم الظاهرة.

وتسعى هذه الحلقات الى تسليط الضوء على ما جرى في تلك الحقبة الحرجة من تاريخ الكويت. وهي خير برهان على أن الخروج من أزمة الاحتقان السياسي والجمود العام لا يتحقق بحل مجلس الأمة وتعليق العمل بالدستور.

وتبقى في ذات الاطار تساؤلات مشروعة عن النوايا إن وجدت، إذا كنا قد جربنا الانقلاب على الدستور مرتين في عامي 1976 و1986 ولم تأتِ لنا هاتان التجربتان إلا بالويل والثبور وعظائم الامور، فما جدوى التجربة مرة ثالثة؟ وهل تتحمل البلاد المثخنة بالجراح السياسية مزيدا من التجارب التي أثبتت فشلها؟ وعلى افتراض ان هناك ضعفا بنيويا وسلوكيا في مجلس الأمة، فهل يعني ذلك أن الحكومة هي ملائكية المضمون والمظهر؟ ولنفترض جدلا أن مجلس الامة أو بعض اعضائه قد تصرفوا بصورة غير مسؤولة، فكيف أدارت حكومات 1976 و1986 شؤون الدولة عندما كانت منفردة بالقرار؟ أَوِلَمْ تَقُدْ تلك الحكومات وهي منفردة بلا مجلس ولا دستور ولا منغصات البلادَ الى أكبر كارثتين عرفهما التاريخ الكويتي الحديث؟

ثم لنفترض مرة اخرى أن هناك خللا في الدستور أو في بعض مواده، أليس من الأجدى، وقد جربنا الحلول الكارثية أن تتقدم الحكومة إلى مجلس الامة مباشرة برغبتها في تعديل المواد المراد تعديلها؟

ولنفترض أن حلا غير دستوري قد حدث، ثم جُيِّش الجيش والمخابرات وأمن الدولة وغيرها وصدرت البيانات الرسمية التي تعنف وتعلي شأن القيادة السياسية وحكمتها، ثم أُلِّفت الأغاني «الوطنية» وكتب «وعاظ السلاطين» كتابات تحيي العهد الجديد «وراح عهد المزاح...» الى آخره. وفُرضَت الرقابة على الصحافة والفضائيات والمدونات، ثم صدرت التشريعات التي تبيح انتهاك الحريات، وتم زج الأفراد المخالفين في السجون، وتحولت الكويت الى نموذج مشابه لدول المنطقة الشقيقة، ومن «شابه أخاه فما ظلم؟، وأخذت الحكومة تضخ المليارات ذات اليمين وذات اليسار، وانتعشت «الخلايا النائمة» للفساد والمفسدين، فهل هذه هي الكويت التي يطمح إليها الطامحون؟

«الاستفراد» بالسلطة سيظل آفة أي حكم، وسيسير بنا النهج «الاستفرادي» الى ما عرفناه من قيادة المجتمع الى الهاوية، في ظل عجز وضعف حكوميين، وهيمنة قوى الفساد والانتهازية على مقدرات الامور.

وسيؤدي العجز والضياع وسوء الادارة الى استفزاز المواطنين، وتبدأ تكوينات اجتماعية وسياسية في صياغة اسلوب احتجاجي جديد، ثم يعاود الحكم مرة اخرى العودة إلى الدستور، بعد ان نشفت الأرض وجف الضرع.

فهل نحن في حاجة الى كل ذلك؟

لم تشكل «الحركة الدستورية» بعد الحل مباشرة في 1986، ولكنها ظلت تتكون عبر ما يزيد على 3 أعوام، وعندما ظهرت الى الوجود عبر «ديوانيات الاثنين» برزت من دون تردد، ودخلت في الموضوع من غير مواربة، فما الذي يمنع تكرار ذات الحدث، وان بتفاصيل مختلفة قد تكون اشد قسوة؟. «الحركة الدستورية»، (وهي ليست الحركة الدستورية الإسلامية حدس) تكونت من تشكيلات اجتماعية متباينة، تمثلت مشروعيتها الشعبية في أن قيادتها كانت تمثل نواب الامة الذين انتخبوا في 1985، وامتدت عبر مؤسساتها المختلفة تكتل النواب ومجموعة الـ45 واللجنة الاعلامية لكي تصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية، وأسهمت إسهامات مهمة في إثراء التراث السياسي الكويتي، كما أثبتت أن الحراك السياسي قادر على إظهار حيويته عندما يوضع على المحك.

فهل ستتكرر التجربة مرى أخرى؟ وهل يحتمل هذا الوطن الصغير فتح جرح غائر مجددا؟

د. غانم النجار

الخميس الأسود الأول

يعرف يوم الغزو العراقي لدولة الكويت بـ«الخميس الأسود»، لكن أهل الكويت عرفوا خميساً أسود آخر، شُلّت فيه البلاد، وأوقف العمل بشرعية دستورها مع أنه أساس وجودها ونهضتها، وهو يوم الخميس الثالث من يوليو عام 1986، إذ صدر في ذلك اليوم الأمر الأميري بحل مجلس الأمة حلاً غير دستوري، وتعليق بعض مواد الدستور الخاصة بالحريات وصلاحيات مجلس الأمة، وقد سمي خميساً أسود لما يمثله من انقلاب على نظام الحكم الديمقراطي، الذي لم يكد يكمل ربع قرن منذ استقلال الكويت وتأسيس الحكم الدستوري فيها وانتقالها إلى الدولة المدنية.

لم تكن تلك أول مرة يجري فيها مثل هذا الحدث، إذ سبق للسلطة الانقلاب على الدستور في صيف 1976، الذي انتهى بالعودة مرة أخرى إلى الانتخابات عام 1981، لكن برغبة جارفة لتنقيح الدستور، من خلال تغيير الدوائر الانتخابية من عشر دوائر الى 25 دائرة. ومع أن الحكومة قد استطاعت من خلال تقسيم الدوائر المحكم إيصالَ أغلبية ساحقة من نواب مجلس الامة ممن يؤيدونها وإسقاط أغلبية المرشحين الذين كانوا سيمثلون حجر عثرة في طريق التنقيح في مجلس 1981، فإنها سحبت مشروعها الذي كانت قد قدمته إلى مجلس الامة بعد رفض شعبي له. الانقلاب الثاني على الدستور عام 1986 كان واضحا أنه أشد وطأة، وأنه بمنزلة «الضربة القاضية» للنظام الدستوري الكويتي، تلك الضربة التي كان مقررا لها ان تصحح ما يسميه البعض بـ«الخطأ التاريخي» الذي ارتكبه الشيخ عبدالله السالم وفعاليات الشعب الكويتي حين أصدروا الدستور عام 1962. فقد اختلفت إجراءات صيف 1986 عن مثيلتها في صيف 1976 بأنها لم تحدد مدة زمنية لعودة العمل بالدستور وتركتها مفتوحة، كما اختلفت بأنها تشددت في الاجراءات القمعية تجاه الصحافة، إذ فُرضَت رقابة مسبقة على الصحف لم تكن الكويت قد عرفتها من قبل.

أقوى مجلس

مجلس 1985 كان مجلسا ذا مذاق خاص، إذ أتى بعد ضعف مجلس 1981 الذي أثرت السلطة في نتائج انتخاباته بعد فرض نظام الدوائر الخمس والعشرين الانتخابية، وبعد فشل ذريع لمحاولة الحكومة تنقيح الدستور في «مجلسها» الذي صاغته في 1981، فأتت نتائج انتخابات 1985 بمنزلة ردة فعل على المجلس السابق، ففاز بالانتخابات أبرز الرموز السياسية التي لم يحالفها الحظ في انتخابات 1981 كأحمد الخطيب وجاسم القطامي وسامي المنيس وفيصل الصانع ويوسف المخلد، إضافة إلى عدد من النواب الشباب الجدد كحمد الجوعان وأحمد الربعي ومبارك الدويلة وعبدالله النفيسي، وذلك منح المجلس الجديد روحاً وحيوية في الأداء، حتى أطلق عليه مسمى «أقوى مجلس».

كان واضحا بعد الانتخابات أن ذلك «المجلس القوي» قد نظم صفوفه للتعامل بجدية مع ملفات تراكم عليها الغبار، وأصبح يمارس دوره الرقابي والتشريعي المفترض بعد ضعف ووهن ملحوظين للحياة السياسية سواء في فترة غياب المجلس منذ 1976 أو بوجود مجلس ضعيف منذ 1981، فكان واضحاً أن المجلس الجديد يرغب في استعادة الدور الذي غيبته السلطة التنفيذية أو أضعفته، فأتى النواب الجدد بأجندة مزدحمة لإقرار مجموعة من القوانين والتصدي لعدة قضايا ترتبت على الفراغ التشريعي الذي صاحب فترة الحل غير الدستوري من 1976 إلى 1981، إضافة إلى ضعف المجلس السابق، وكان من أهم القضايا التي عزم مجلس 85 على التصدي لها أزمةُ المناخ التي هزت الاقتصاد الكويتي مطلع الثمانينيات.

المواجهة الأولى

جاءت المواجهة الأولى بين «المجلس القوي» والسلطة التنفيذية بتاريخ 30 ابريل 1985 في استجواب وزير العدل والشؤون القانونية والإدارية الشيخ سلمان الدعيج الصباح، الذي قدمه نواب من تيارات مختلفة، وهم: مبارك الدويلة وأحمد الربعي وحمد الجوعان، بعد أن أثيرت شبهات حول صرف سندات من صندوق صغار المستثمرين لنجل الوزير القاصر دعيج، إضافة إلى انحراف الوزير عن دوره الأصلي، وذلك من خلال مشاركته في إعداد حلول لأزمة المناخ تهدف إلى استفادة شخصية، فكانت تلك المواجهة مؤشراً لتوجهات المجلس الجديد، خصوصاً أنها أتت بعد نحو شهرين من انتخاب المجلس، ويكفي النظر إلى سرعة تصدي المجلس لاستجواب الدعيج والقوى السياسية المشاركة فيه لمعرفة مدى التنسيق القائم بين النواب لمواجهة السلطة، وتمخض الاستجواب عن تقديم طلب طرح ثقة وقع عليه أغلبية نواب المجلس، في ظاهرة غير مسبوقة، مما أدى إلى تقديم الدعيج استقالته من الحكومة قبل جلسة التصويت على طرح الثقة. وواصل المجلس القيام بدوره عبر دعمه بقوة قيام وزير الشؤون الاجتماعية والعمل خالد جميعان بحل الاتحاد الكويتي لكرة القدم، الذي كان يترأسه آنذاك الشهيد الشيخ فهد الأحمد وتعيينه اتحادا جديدا برئاسة عبدالعزيز المخلد.

 

مواجهة دستورية بشأن المناخ

ومع ان حدة التوتر السياسي التي شابت العلاقة بين الحكومة والمجلس بسبب استجواب سلمان الدعيج واستقالته، قد مالت الى الهدوء النسبي من خلال اقرار حزمة من القوانين ومناقشة العديد من القضايا طوال العام، فإن اصرار المجلس على مواصلة فتح ملف ازمة المناخ والتحقيق فيها حال دون استمرار هذا الهدوء. إذ وافق المجلس في ذلك الوقت على ندب النائب حمد الجوعان لعضوية لجنة التحقيق في الازمة، والذي طلب بدوره من وزير المالية والاقتصاد آنذاك جاسم الخرافي صورة من محاضر اجتماعات مجلس ادارة بنك الكويت المركزي وصورة من التقارير الخاصة بالنقد، إلا أن الوزير رفض الاستجابة بحجة أن هذه البيانات تتضمن افشاء معلومات تتعلق بعملاء البنك المركزي والبنوك الخاضعة لرقابته، ومع إصرار المجلس على موقفه، تقدمت الحكومة بطلب إلى المحكمة الدستورية لتفسير المادة 114 من الدستور الخاصة بصلاحية المجلس في التحقيق بالامور الداخلة باختصاصه.

وبعد عدة جولات في أروقة المحكمة الدستورية وتقديم كل من الحكومة والمجلس مذكرات تدعم وجهة نظر كل منهما، أصدرت المحكمة الدستورية بتاريخ 14 يونيو 1986 قرارها المؤيد لقرار مجلس الأمة بأحقيته في الاطلاع على الوثائق والبيانات التي طلبها الجوعان، والتي كان مقررا لها أن تكشف حقيقة ازمة المناخ. فحدد يوم السبت 5 يوليو 1986 تاريخاً لتوجه حمد الجوعان إلى البنك المركزي للاطلاع على الوثائق المذكورة.

ضوء

يعد مشاري عبدالقادر الرشيد من الجنود المجهولين من أبناء هذا الوطن أثناء حقبة ديوانيات الاثنين، فعرف في تلك الفترة كموثق ومصور لأحداث ذاك الحراك الشعبي متحملاً مخاطرة عمله ومواجها للعديد من الظروف الصعبة ليسجل للتاريخ أحداث ذاك الزمن دون تردد أو خوف متعرضاً في ذلك للعديد من المضايقات من قبل السلطة.

و«الجريدة» إذ تنشر سلسلة ديوانيات الاثنين لتوثق تلك المسيرة، فإن العديد من الصور المنشورة لم تكن لتنشر لولا دور مشاري الرشيد الذي اصطحب كاميرا الفيديو معه في كل التجمعات ليسجل حراك الشعب الكويتي، فله وللعديد من الجنود المجهولين الآخرين الذين ساهموا في توثيق ذلك الحراك الشعبي كل الشكر.

من أشعار ديوانيات الاثنين

مدينة العجائب

مرموش هم عندنا مثلك بشر مرموش

لكويت مدينة عجايب من رماها يحوش

ديرة غزاها اللصوص وأحوالها فاشوش

ودهم ينام الشعب طول الدهر ودهم

وصار المواطن غريب وأغراب يكودهم

عجبي لراعي الشعب وده ايخسر ودهم

بالقدرة تمشي البلد وتخطيط كله بوش

الحطيئة

يتبع...

قنابل مسيلة للدموع تفرق المهنئين صبيحة العيد عام 1990
حمد الجوعان
أحمد الربعي
مبارك الدويلة
سلمان الدعيج
مشاري الرشيد

 

الحلقة الثانية

 

الأمير الراحل جابر الأحمد ملقياً خطاب الحل
ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه
المجلس يقدم ثلاثة استجوابات في ثلاثة أيام... والحكومة تستقيل... والأمير يحل المجلس ويعلق مواد الدستور
(2)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاماً وتحديداً في الرابع من ديسمبر 1989، حين كانت الكويت تعيش زمنا مأزوماً بلا دستور، بدأت «الحركة الدستورية»، وهي تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً في مجلس الأمة الذي حُلَّ عام 1986، وفعاليات مبدعة من مختلف قطاعات الشعب الكويتي، المطالبةَ بإعادة العمل بالدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة وقمع حرية التعبير في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الأيام في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإنه من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى.

على مدى هذه الحلقات تروي «الجريدة» قصة التحرك الشعبي بين عامي 1986 و1990.

تفجيرات النفط ومطالبات بالإقالة

لم تكد تهدأ الساحة السياسية بعد حكم المحكمة الدستورية بحق المجلس في الاطلاع على كشوفات البنك المركزي، حتى اشتعلت من جديد بعد صدور الحكم بثلاثة أيام، وذلك على خلفية حدوث ثلاثة انفجارات في ثلاثة مواقع نفطية في الأحمدي والمقوع، وبينما انشغلت الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية بالوقوف على أسباب الانفجارات التي اتضح فيما بعد أنها عمل إرهابي، تقدم النواب محمد المرشد وفيصل الصانع وأحمد باقر باستجواب لوزير المواصلات عيسى المزيدي بتاريخ 21 يونيو 1986، تمحور حول قضية المشتركين في الخدمة الهاتفية والمستحقات المترتبة عليهم، وأدرج الاستجواب على جدول أعمال جلسة 24 يونيو التي كان متوقعاً فيها أن يطلب الوزير تأجيل مناقشته أسبوعين.

واستمرت الأجواء السياسية في التصعيد خلال أول جلسة عقب حوادث التفجيرات بتاريخ 22 يونيو عندما استنكر المجلس التفجيرات الإرهابية، وبرزت مطالبات نيابية بإقالة وزير النفط والصناعة الشيخ علي الخليفة الصباح ووزير الداخلية الشيخ نواف الأحمد الصباح، وتأزمت الجلسة بشكل أكبر عندما تقدم عدد من النواب أثناء الجلسة بطلب إصدار بيان يدين الحكومة لتقصيرها الأمني في الحادثة، وذلك جعل الحكومة تهدد بالانسحاب من الجلسة إذا ما تم التصويت عليه. وفي محاولة لاحتواء الموقف، شكل المجلس لجنة لإعادة صياغة البيان بشكل لا يحمل إدانة للحكومة، بل يناشدها بذل المزيد من الحيطة والحذر الأمني، وقد امتنع تسعة نواب من المعارضة عن التصويت على البيان المعدل معلنين تمسكهم بالبيان الأصلي الذي يدين الحكومة، وهم النواب د. ناصر صرخوه وأحمد باقر وحمد الجوعان ومشاري العنجري وفيصل الصانع ود. أحمد الربعي ود. أحمد الخطيب وسامي المنيس وجاسم القطامي.

توالي الاستجوابات

وفي اليوم ذاته، تقدم النواب ناصر البناي وخميس عقاب وسامي المنيس باستجواب لوزير المالية والاقتصاد جاسم الخرافي حول المخالفات الواردة في تقريرين لديوان المحاسبة عن صندوق صغار المستثمرين، ليضاف إلى الاستجواب المقدم إلى وزير المواصلات عيسى المزيدي، في حين تواردت أنباء عن إعداد النواب مشاري العنجري وعبدالله النفيسي وجاسم القطامي استجواباً آخر لوزير النفط والصناعة الشيخ علي الخليفة في اليوم التالي على خلفية التفجيرات الإرهابية للمواقع النفطية ومدى الحماية التي يعمل على توفيرها الوزير للمنشآت النفطية بالإضافة إلى قضايا نفطية أخرى.

وفي ما اعتبر خطوة مفاجئة للأوساط السياسية في ذلك الوقت، تقدم النواب مبارك الدويلة وراشد الحجيلان وأحمد الشريعان بتاريخ 24 يونيو، بعد يومين من تقديم استجواب وزير المالية، باستجواب لوزير التربية د. حسن الإبراهيم، وفي الوقت ذاته أرجأ المجلس استجوابات الوزراء المزيدي والخرافي والخليفة أسبوعين. إذن فالمحصلة كانت قيام تسعة نواب بتقديم ثلاثة استجوابات في غضون خمسة أيام بينما كان يعكف ثلاثة نواب آخرين على إعداد استجواب رابع لوزير النفط علي الخليفة. ورغم ما يشير إلى دخول البلاد في أزمة سياسية على إثر الاستجوابات المقدمة، فإن المجلس قد استمر في إنجاز أعماله بشكل طبيعي، فأقر في جلسة 28 يونيو مشروع قانون الخطة الخمسية وميزانية هيئة الاستثمار، التي أثار فيها النواب بعض المخالفات التي سجلها ديوان المحاسبة، وأبرزها قيام الهيئة بسحب أكثر من مليار وخمسمئة مليون دينار من احتياطي الأجيال لزيادة رأسمال مؤسسة البترول الكويتية، التي بدورها استخدمت المبلغ لشراء شركة سانتافي، باعتبار أن القانون يحظر السحب من الاحتياطي.

يوم المفاجآت الطويل

وخيم الهدوء على الساحة السياسية خلال الأيام الأربعة التالية، وقد قضتها الحكومة في دراسة الوضع السياسي الراهن، في حين لم تبدُ أية إشارات لمزيد من التأزيم، خصوصاً أن المجلس مقبل على انتهاء دور الانعقاد، وذلك يعني احتمال تأجيل بعض الاستجوابات إلى دور الانعقاد المقبل، وفي خضم ذلك، انشغل المجلس والأوساط السياسية بإحدى القضايا المهمة المتعلقة بتعديل قانون الانتخاب للمتجنسين، إذ نص المشروع المقترح على مد الفترة التي يقضيها المواطن المتجنس من 20 عاما إلى 30 حتى يحق له الانتخاب.

وكان يوم الأربعاء 2 يوليو حافلاً على عدة صُعُد، فأسمته صحيفة القبس «يوم المفاجآت الطويل»، إذ أقر المجلس في جلسته في اليوم نفسه مشروع قانون الانتخاب للمتجنسين بموافقة 34 نائبا وعدم موافقة 1 وامتناع 17، وصاحب ذلك ارتياح شعبي ونيابي نتيجة إعلان إلقاء القبض على مدبري محاولة اغتيال سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد ومدبري تفجيرات المقاهي الشعبية ومطلقي النار على رئيس تحرير صحيفة «السياسة» أحمد الجارالله.

وفي الجلسة ذاتها برز الخلاف الحكومي- النيابي من جديد بشأن موضوع طلب لجنة التحقيق في أزمة المناخ الاطلاع على محاضر اجتماعات مجلس إدارة البنك المركزي وسط رفض حكومي، وقرر المجلس في تلك الجلسة تمديد ندب النائب حمد الجوعان للتحقيق في كشوفات البنك إلى نهاية عام 1986، وكان من المقرر أن يتوجه الجوعان يوم السبت 5 يوليو إلى البنك المركزي للاطلاع على الكشوفات كافة.

استقالة وتفاؤل وحل

وفي مساء ذلك اليوم، اجتمع نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية آنذاك الشيخ صباح الأحمد الصباح مع الوزراء، ونتج عن ذلك تقديم الوزراء مجتمعين استقالتهم إلى سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، ويترتب على الاستقالة إذا قُبلَت سقوط جميع الاستجوابات المقدمة بعد أن تخلى الوزراء عن مناصبهم. وحظيت الاستقالة باهتمام الإعلام والأوساط السياسية، إذ صاحبها مشاورات نيابية مكثفة، ترجمها النواب بتصريحات تفاؤلية باعتبار الاستقالة فرصة لتشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع القضايا العالقة. وفي صباح اليوم التالي، الخميس 3 يوليو 1986، اجتمع سمو الأمير الشيخ جابر الأحمد الصباح مع سمو ولي العهد الشيخ سعد العبدالله والشيخ صباح الأحمد ووزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء راشد الراشد، وفي ظهيرة الخميس، صدر أمر أميري بحل مجلس الأمة وتعطيل بعض مواد الدستور وتولي الأمير ومجلس الوزراء الاختصاصات المخولة لمجلس الأمة، وألحق ذلك بقرار آخر من وزارة الاعلام بتعديل بعض أحكام قانون المطبوعات وإخضاع الصحف للرقابة المسبقة، وصاحب ذلك قبول استقالة الحكومة وتكليف ولي العهد تشكيلَ حكومة جديدة. وبدا لافتاً ذكر الأمير في خطاب حل المجلس أن الكويت لن تتخلى عن المسيرة النيابية، لكن خلافاً لحل المجلس في 1976 الذي احتوى على فترة زمنية محددة للحل، فإن الأمر الأميري بحل المجلس في 3 يوليو 1986 كان حلاً نهائياً من دون الإشارة إلى عودته.

نص الأمر الأميري بحل مجلس الأمة

بسم الله الرحمن الرحيم

فقد شاءت إرادة العلي القدير أن نحمل المسؤولية عن هذا الوطن العزيز، عاهدنا الله وعاهدنا المواطنين أن نعمل على حفظ الكويت من كل سوء.

لقد تعرضت البلاد لمحن متعددة وظروف قاسية لم يسبق أن مرت بمثلها مجتمعة من قبل، فتعرض أمنها إلى مؤامرات خارجية شرسة هددت الأرواح وكادت أن تدمر ثروات هذا الوطن ومصدر رزقه، وكادت نيران الحرب المستعرة بين جارتيها المسلمتين أن تصل إلى حدودها، وواجهت أزمة اقتصادية شديدة، وبدلاً من أن تتضافر الجهود وتتعاون كل الأطراف لاحتواء هذه الأزمة تفرقت الكلمة وانقسم الرأي وظهرت تكتلات وأحزاب أدت إلى تمزيق الوحدة الوطنية وتعطيل الأعمال حتى تعذر على مجلس الوزراء الاستمرار في مهمته.

ولما كانت الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد لن ينقذها منها إلا عمل حاسم وجاد، ولما كانت المؤامرات الإجرامية التي يتعرض لها الوطن لن يوقفها إلا اليقظة التامة والاستعداد الكامل والوحدة الوطنية الشاملة.

ولما كانت ظروف المنطقة تتميز بالحرج وتحيطها ملابسات دقيقة وخطرة، ولما كان استمرار الوضع على ما هو عليه سيعرض الكويت إلى ما خشيناه ونخشاه من نتائج غير محمودة. ولما كانت الحرية والشورى نبتا أصيلا نما وازدهر منذ نشأت الكويت، وكانت الكويت هي الأصل وهي الهدف وهي الباقية، أما ما عداها فهو زائل ومتغير وفقاً لحاجاتها ومصالحها، فإن استمرار الحياة النيابية بهذه الروح وفي هذه الظروف يعرض الوحدة الوطنية لانقسام محقق ويلحق بمصالح البلاد العليا خطرا داهما، لذلك رأينا حرصا على سلامة واستقرار الكويت أن نوقف أعمال مجلس الأمة «وأصدرنا بذلك الأمر الآتي نصه:

مادة أولى: يحل مجلس الأمة، ويوقف العمل بأحكام المواد 56 فقرة (3) و107 و174 و181 من الدستور الصادر في 11 من نوفمبر 1962م .

مادة ثانية: يتولى الأمير ومجلس الوزراء الاختصاصات المخولة لمجلس الأمة بموجب الدستور.

مادة ثالثة: تصدر القوانين بمراسيم أميرية ويجوز عند الضرورة إصدارها بأوامر أميرية.

مادة رابعة: على رئيس مجلس الوزراء والوزراء - كل فيما يخصه - تنفيذ هذا الأمر ويعمل به من تاريخ صدوره وينشر في الجريدة الرسمية.

أمير الكويت

جابر الأحمد

أعضاء الحكومة المستقيلة

الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح - رئيس مجلس الوزراء

الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح - نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية

جاسم محمد الخرافي - وزير المالية والاقتصاد

د. حسن علي الإبراهيم - وزير التربية

خالد أحمد الجسار - وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

راشد عبدالعزيز الراشد - وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء

الشيخ سالم صباح السالم الصباح - وزير الدفاع

سعود محمد العصيمي - وزير العدل

عبدالرحمن إبراهيم الحوطي - وزير الأشغال وزير الإسكان

د. عبدالرحمن عبدالله العوضي - وزير الصحة وزير التخطيط

الشيخ علي الخليفة العذبي الصباح - وزير النفط والصناعة

عيسى محمد المزيدي - وزير المواصلات

محمد السيد عبدالمحسن الرفاعي - وزير الكهرباء والماء

الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح - وزير الإعلام

الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح - وزير الداخلية

خالد سالم الجميعان - وزير الشؤون الاجتماعية والعمل

المواد الدستورية التي عطّلها حل المجلس

المادة 56 فقرة (3): لا يزيد عدد الوزراء جميعاً على ثلث عدد أعضاء مجلس الأمة.

المادة 107: للأمير أن يحل مجلس الأمة بمرسوم تبين فيه أسباب الحل على أنه لا يجوز حل المجلس لذات الأسباب مرة أخرى. وإذا حل المجلس وجب إجراء الانتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يجاوز شهرين من تاريخ الحل.

فإن لم تجر الانتخابات خلال تلك المدة يسترد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية ويجتمع فورا كأن الحل لم يكن ويستمر في أعماله إلى أن ينتخب المجلس الجديد.

المادة 174: للأمير ولثلث أعضاء مجلس الأمة حق اقتراح تنقيح هذا الدستور بتعديل أو حذف حكم أو أكثر من أحكامه، أو إضافة أحكام جديدة إليه.

فإذا وافق الأمير وأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة على مبدأ التنقيح وموضوعه، ناقش المجلس المشروع المقترح مادة مادة، وتشترط لإقراره موافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، ولا يكون التنقيح نافذا بعد ذلك إلا بعد تصديق الأمير عليه وإصداره، وذلك بالاستثناء من حكم المادتين 65 و66 من هذا الدستور.

وإذا رفض اقتراح التنقيح من حيث المبدأ أو من حيث موضوع التنقيح فلا يجوز عرضه من جديد قبل مضي سنة على هذا الرفض. ولا يجوز اقتراح تعديل هذا الدستور قبل مضي خمس سنوات على العمل به.

المادة 181: لا يجوز تعطيل أي حكم من أحكام هذا الدستور إلا اثناء قيام الأحكام العرفية في الحدود التي يبينها القانون. ولا يجوز بأي حال تعطيل انعقاد مجلس الأمة في تلك الأثناء أو المساس بحصانة أعضائه.

ضوء

من أبرز وأحدث الكتب التي صدرت لتوثق مسيرة ديوانيات الأثنين كان كتاب «وقائع ووثائق دواوين الاثنين» للكاتب يوسف المباركي، والذي احتوى على توثيق هام لهذه المرحلة التي غابت خلالها وسائل الإعلام وأسس التوثيق البسيطة، فأتى هذا الكتاب ليطلع الأجيال الحالية على مسيرة الشعب نحو عودة الدستور في ذلك الوقت.

و«الجريدة» إذ تنشر حلقاتها حول ديوانيات الإثنين، فإنها تتوجه بالشكر للكاتب يوسف المباركي على دوره في توثيق هذه المرحلة الهامة ودوره في إخراج هذه الحلقات إلى النور عبر بعض المواد القيمة التي احتواها الكتاب.

من ذاكرة الديوانيات

أنا الدستور

أنا الدستور محبوس يالشعب فكوني

امعلق اسنين خاب الرجا اف كوني

أنظم الحياة قانون موافق كوني

ليش الصلف والبعد عن روحه أو نصة

قانون الحياة نظم فيه الحكم ورد نصه

اتفصل على كيفك تاخذ أو تقط نصه

عيب اتخون العهد ليش وتخبط افكوني

ابن الدستور

تجمع حاشد في ديوانية الشريعان بالجهراء
 

 

الحلقة الثالثة

 

 
النائب السابق حمد الجوعان يلقي بياناً على الحضور في أحد التجمعات وبدا عبدالله النيباري جالساً وأحمد النفيسي وأحمد الربعي في الخلف
ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه
الحكومة تطبّق الرقابة على الصحف وتطلق بروباغاندا لتسويق إجراءاتها
وزارة الإعلام منعت نشر كلمات «ديموقراطية - دستور - برلمان - نائب - مجلس أمـة» في الصحف المحلية
(3)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاماً وتحديداً في الرابع من ديسمبر 1989، حين كانت الكويت تعيش زمنا مأزوماً  بلا دستور، بدأت «الحركة الدستورية»، وهي تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً في مجلس الأمة الذي حُلَّ عام 1986، وفعاليات مبدعة من مختلف قطاعات الشعب الكويتي، المطالبةَ بإعادة العمل بالدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة وقمع حرية التعبير في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الأيام في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإنه من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى.

على مدى هذه الحلقات تروي «الجريدة» قصة التحرك الشعبي بين عامي 1986 و1990.

«دخل علينا في مكتب مدير التحرير، فنظرنا إليه مندهشين، كان رجلاً في منتصف الثلاثينيات من عمره، يرتدي الغترة والعقال، وبانت على وجهه علامات الجدية والثقة... وقبل أن نسأل «من أنت؟»، رفع ورقة كان ممسكاً بها وقال لنا: «أتيت لأطبق القانون»، فاكتشفنا أنه الرقيب المعين من قبل وزارة الإعلام ليداوم بمقر الصحيفة ويحدد ما يسمح بنشره وما يمنع، ممسكاً بيده القرار الحكومي بفرض الرقابة المسبقة على الصحف».

كان ذلك وصف مستشار التحرير في إحدى الصحف المحلية لوقائع مساء يوم الجمعة 4 يوليو 1986 بعد إعلان حل مجلس الأمة، شارحاً كيفية بدء تطبيق الرقابة المسبقة على الصحف في اليوم التالي لحل مجلس الأمة، لتدخل الصحافة الكويتية الرائدة حقبة من العتمة والتضليل بدأت في ذلك المساء واستمرت حتى عام 1991.

بعد تقديم الحكومة استقالتها يوم الأربعاء 2 يوليو 1986 كانت هناك عدة سيناريوهات محتملة، ولم يكن حل مجلس الأمة أمراً مستبعداً نظراً إلى ارتفاع وتيرة التصعيد النيابي ضد الحكومة وتقدم تسعة نواب باستجوابات لثلاثة وزراء، في حين أعلن ثلاثة نواب آخرين عزمهم على استجواب وزير النفط. ولذلك كله كان حل المجلس أحد الخيارات المنطقية للسلطة، لكن ما لم يتوقعه النواب والمراقبون هو الحل غير الدستوري ووقف العمل بالدستور، إذ لم تكد البلاد تخرج من حقبة الفراغ الدستوري التي أعقبت حل المجلس في 1976 خارج إطار الدستور وتعطيل بعض مواده، فكان الاعتقاد السائد هو أن السلطة استوعبت درس عام 1976 وما نتج عنه من كارثة اقتصادية تمثلت في انهيار بورصة الكويت في أزمة المناخ، والتقسيم القبلي والطائفي الذي أنتجته الدوائر الانتخابية الجديدة التي أقرتها السلطة، فضلاً عن سقوط معظم مقترحاتها لتعديل الدستور في لجنة تنقيح الدستور التي شكلتها، ما أدى إلى سحب الحكومة المقترحات قبل التصويت عليها في مجلس 81، لذلك لم يكن متوقعاً أن تلجأ السلطة إلى الانقلاب على النظام الدستوري مرة أخرى بعد خمس سنوات فقط من العودة إلى العمل به.

الـ «بروباغاندا» الحكومية

بعد الحل مباشرة، شرعت السلطة تطلق حملة إعلامية أشبه بـ«البروباغاندا» لتوجيه الرأي العام الشعبي إلى تقبل الإجراءات غير الدستورية وتبريرها، متسلحة بقبضتها المحكمة على الصحف عبر الرقابة المسبقة، فامتلأت صفحاتها بكلمات الإشادة بالإجراءات من جهات حكومية وكتاب موالين للسلطة، وتبعت ذلك برقيات وزير الداخلية الشيخ نواف الاحمد ووزير الدفاع الشيخ سالم الصباح ورئيس الحرس الوطني الشيخ سالم العلي إلى سمو الأمير التي أبدوا من خلالها الولاء وعاهدوه على عدم تواني القوات المسلحة في الحفاظ على أمن الوطن. في المقابل، وضمن معايير الرقابة المسبقة على الصحف اختفى أي ذكر لمجلس الأمة الذي اختفى من الوجود، فكان يحظر نشر كل ما هو مرتبط من قريب أو بعيد بالديمقراطية، فمُنع بعض الكلمات والمفردات من النشر كـ«ديمقراطية، برلمان، نائب، مجلس الأمة»، إضافة إلى منع تصريحات نواب المجلس المنحل، أو حتى صور زياراتهم للأعراس والمناسبات الاجتماعية في صفحات المجتمع، كما منعت الأخبار الإقليمية والدولية المتعلقة بالديمقراطية.

وفي يوم السبت 5 يوليو 1986، وهو أول يوم عمل رسمي بعد إعلان الحل، ارتفعت وتيرة التداول في سوق الكويت للأوراق المالية بعروض شراء مفتوحة ومفاجئة رفعت أسعار الأسهم، فقد بيع أكثر من مليوني سهم في يوم واحد شكلت قيمتها نحو أربعة ملايين دينار، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت وفي ظل الأوضاع في سوق الكويت للأوراق المالية آنذاك.

وبعد عشرة أيام من حل المجلس وتعليق الدستور، قدم سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد وزراء حكومته الجديدة إلى سمو الأمير، الذي ترأس بدوره أول اجتماعاتها بعد أداء الوزراء اليمين الدستورية، وقد تركزت تصريحات الشيخ سعد للصحافة على تأكيد أن المسؤولية الملقاة على عاتق الحكومة الجديدة في ظل الظروف الدقيقة كبيرة، وشدد على التفاني والحفاظ على أمن الوطن ووحدته، وأعلنت الحكومة أولياتها المتمثلة في قضايا الأمن والاقتصاد والتعليم والإسكان والتطوير الإداري.

وكانت الحكومة الجديدة التي اصطلح على تسميتها بـ«حكومة الحل» من أكثر الحكومات عدداً في تاريخ الكويت منذ الاستقلال، فضمت 21 وزيراً، منهم 14 وزيراً سابقاً و7 وزراء جدد، كما تم استحداث 5 حقائب وزارية جديدة، وأتاح تعطيل المادة 56 من الدستور كما ورد في الأمر الأميري لحل المجلس، تشكيل حكومة بهذا العدد الكبير من الوزراء، إذ تنص المادة 56 على ألا يتجاوز عدد الوزراء ثلث أعضاء مجلس الأمة، أي 16 وزيراً، ما يجعل تشكيل تلك الحكومة غير دستوري، وشارك في الحكومة غير الدستورية أربعة من أعضاء مجلس الأمة المنحل، هم: خالد الجميعان وعبدالرحمن الغنيم وناصر الروضان، إضافة إلى رئيس مجلس الأمة الحالي جاسم الخرافي.

سحب الصلاحيات

وسعت «حكومة الحل» إلى سحب البساط من تحت أقدام مجلس الأمة تنفيذاً لما نص عليه الأمر الأميري بتولي الأمير ومجلس الوزراء صلاحيات مجلس الأمة، إذ شرعت الحكومة تمارس الدور الرقابي المنوط دستورياً بالمجلس، وصاحب ذلك حملة ترويج إعلامية لإحلال الحكومة مكان مجلس الأمة على الصعيد الشعبي، على نحو يوحي للمواطنين بأن مجلس الأمة هو سبب تعطيل أعمال الناس وسوء الإجراءات الحكومية والخدمات العامة، فبعد الحل بأربعة أيام أعطى رئيس الوزراء الشيخ سعد العبدالله توجيهاته للجان التطوير الحكومية بإنشاء مكاتب لخدمة المواطنين بالوزارات لتعقب الشكاوى والمعاملات ومحاسبة المقصرين، وبعد ذلك بأسبوع طلب من ديوان المحاسبة تشديد الرقابة على الأجهزة الحكومية وكشف التجاوزات، كما أعلنت الحكومة أدواتٍ جديدة للرقابة على الميزانية وترشيد الإنفاق، وخطوات لاستقطاب رؤوس الأموال الوطنية وتشجيعها على الاستثمار المحلي، في حين أعلنت توجها جديدا لإعادة تسعير بعض الخدمات العامة، وأقر مجلس الوزراء في جلسة خاصة له رفع سعر الشراء الحكومي لأسهم الشركات المقفلة بواقع 3 في المئة، وإجراءات لمتابعة مشاكل المواطنين بعيداً عن الروتين. كما أعلن الشيخ سعد عزمه الالتقاء بالوزراء كل يوم ثلاثاء خارج الاجتماع الرسمي لمجلس الوزراء، وأمر الوزراء بتخصيص يوم من الأسبوع، ليلتقي كل وزير المواطنين للوقوف على احتياجاتهم وتلقي شكاواهم.

واستمرت الـ«بروباغاندا» الحكومية، فبعد ثلاثة أسابيع من حل مجلس الأمة، وبعد حملة الحكومة الإعلامية عن تطوير الإجراءات الحكومية والخدمات العامة والرقابة المالية، بدأت حملة الترويج الإعلامية لبرامج الحكومة لكل وزارة، فقد أفردت الصحف على مدى أكثر من أسبوعين صفحاتها الأولى والداخلية لإجراء مقابلات يومية مع كل وزير على حدة، يشرح فيها خططه لتطوير العمل في وزارته. وفي ظل كل هذه التحركات الحكومية نحو التعزيز لواقع جديد للحياة خارج إطار الدستور، بدا المشهد على ساحة نواب المجلس المنحل أشبه بالترقب والانتظار الذي لم يدم طويلاً، فالتاريخ وإن نسي تفاصيل الإجراءات الحكومية في ذلك الوقت، فإنه لم ينس الحركة الشعبية التي انطلقت للمطالبة بعودة الديموقراطية، والتي بدأت مع إنشاء الحركة الدستورية.

حكومة ما بعد الحل

1- الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح - رئيس مجلس الوزراء

2- الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح - نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية

3- أنور عبدالله النوري - وزير التربية

4- الشيخ جابر المبارك الصباح الحمد الصباح - وزير الشؤون الاجتماعية والعمل

5- جاسم محمد الخرافي - وزير المالية

6- خالد أحمد الجسار - وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية

7- خالد سالم الجميعان - وزير المواصلات

8- راشد عبدالعزيز الراشد - وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء

9- الشيخ سالم صباح السالم الصباح - وزير الدفاع

10- سعود محمد العصيمي - وزير الدولة للشؤون الخارجية

11- ضاري عبدالله العثمان – وزير العدل والشؤون القانونية

12- عبدالرحمن إبراهيم الحوطي - وزير الأشغال العامة

13-عبدالرحمن خالد الغنيم - وزير الدولة للشؤون البلدية

14-عبدالرحمن عبدالله العوضي - وزير الصحة العامة

15- الشيخ علي الخليفة العذبي الصباح - وزير النفط

16- عيسى محمد المزيدي - وزير الدولة لشؤون الخدمات

17- فيصل عبدالرزاق الخالد - وزير التجارة والصناعة

18- محمد سليمان سيد علي - وزير التخطيط

19- محمد عبدالمحسن الرفاعي - وزير الكهرباء والماء

20- ناصر عبدالله الروضان - وزير الدولة لشؤون الإسكان

21- الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح - وزير الإعلام

22- الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح - وزير الداخلية

قرار وزير الإعلام رقم 248 / 1986

بعد الاطلاع على قانون المطبوعات والنشر رقم 3 لسنة 1961 المعدل بالأمر الأميري بالقانون رقم 73 لسنة 1968، وبناء على ما تقتضيه المصلحة العامة، قرر:

مادة (1)

تخضع جميع المطبوعات الدورية للرقابة المسبقة على النشر

مادة (2)

على جميع أجهزة الوزارة تنفيذ هذا القرار ويعمل به اعتباراً من اليوم

مادة (3)

ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية.

وزير الإعلام

ناصر المحمد الصباح

الكويت في 27 شوال 1406هـ الموافق 3 يوليو 1986م

ضوء

كان موجوداً دائماً أثناء بحثنا لتوثيق حلقات «ديوانيات الأثنين»، جالساً وبيده كاميرته، فينهض تارة ليلتقط الصور من مكانه، ثم يبحث عن زاوية أفضل للقطة أجمل. كان أمام موكب أحمد الشريعان الذي انطلق من الفيحاء للجهراء، وكان خلف الشريعان وهو في ديوانيته يخطب في الجموع ليلتقط من مواقعه تلك صوراً لا زالت تشهد لها ديوانية النائب السابق أحمد الشريعان إذ تراها معلقة على حائطها، وتشهد لها ديوانية «الطليعة» التي تزينها صور النائب السابق أحمد يوسف النفيسي.

ولم يقتصر دور النفيسي على توثيق تلك الفترة المهمة بل ساهم في صنع احداثها وكان عضواً بارزاً وفاعلاً فكان ضمن مجموعة الـ 45 وتعرض للعديد من المضايقات والاعتقال من قبل السلطة.

من أشعار ديوانيات الاثنين

يوم الاثنين

قال الذي يا ناس ماهو بغلطان

وينك عن اللي يوم الاثنين مفجوع

يومٍ يخلي بعض الاطفال شيبان

شفته بعيني لا تقولون مخدوع

يوم ارتفع بالجو يا الربع دخان

والناس صارت بين دافع ومدفوع

شرطة وطواريء والحرس يا عرب كان

يرمي قنابل بعدها سالت دموع

سوى سوايا ما تَحلى بها انسان

يرجم ويشتم ماحدٍ قال ممنوع

قلنا المساجد تحمي الخلق باحسان

وأثر المساجد ما حدث عبد مدفوع

لكن صمود الشعب ما فيه خذلان

لا هَمِتَه شرطة ولا موقف يروع

دستوره اللي ما بغى فيه نقصان

يضمن حقوق الناس والراس مرفوع

ما بين شورى وبين دستور شتان

نقولها للكل والصوت مسموع

ماهو بهرجٍ قاله فلان وفلان

ناس النفاق بدمها دوم مطبوع

نقولها ونخفى ترى الفعل بلسان

حكمٍ تبونه ماهو اليوم متبوع

وصلاة ربي عد ما دارت أزمان

على نبيٍ دايم الدوم مشفوع

بدوي ديموقراطي

يتبع...

صورة من أحد التجمعات في ديوانية الخطيب بالروضة
 
أحمد النفيسي

 

الحلقة الرابعة

 

 
أحمد السعدون وأحمد الخطيب يتحدثان عن العريضة الشعبية في ديوانية الخطيب بالروضة وبدا محمد الرشيد جالساً
ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه
العريضة الشـعبية ولجنة الــ 45 تمهدان الطريق لديوانيات الاثنين
(4)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاماً وتحديداً في الرابع من ديسمبر 1989، حين كانت الكويت تعيش زمنا مأزوماً  بلا دستور، بدأت «الحركة الدستورية»، وهي تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً في مجلس الأمة الذي حُلَّ عام 1986، وفعاليات مبدعة من مختلف قطاعات الشعب الكويتي، المطالبةَ بإعادة العمل بالدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة وقمع حرية التعبير في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الأيام في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإنه من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى.

على مدى هذه الحلقات تروي «الجريدة» قصة التحرك الشعبي بين عامي 1986 و1990.

سادت حالة من الذهول والترقب عقب إعلان حل مجلس الأمة، عززها اختفاء كل ما يشير إلى مجلس الأمة والديموقراطية من صفحات الصحف بعد تطبيق قرار السلطة بفرض الرقابة المسبقة عليها. وبعد عشرة أيام من الترقب ودراسة الأوضاع، أصدر 32 نائباً من نواب المجلس المنحل بياناً إلى الشعب الكويتي في 15 يوليو 1986 بشأن إجراءات الثالث من يوليو غير الدستورية، بينوا من خلاله عزمهم على مواصلة لقاءاتهم المعتادة في دواوينهم واستمرارهم المطالبة بعودة العمل بالدستور. كان التحرك الأول عبر هذا البيان ينم عن حالة الترقب التي اجتاحت النواب، إضافة إلى عدم معرفة الأدوات المناسبة التي يمكنهم استخدامها أمام السلطة، فكان الصبر وحسن النية بأن الإجراءات قد تكون مؤقتة أمراً مطروحاً، علاوة على عدم الرغبة في الاصطدام بالسلطة.

وبعد مرور شهرين من حل المجلس من دون الدعوة إلى انتخاب مجلس جديد حسب نصوص الدستور، أرسل النواب إلى سمو الأمير برقية حملت استنكاراً للحل غير الدستوري، وقعها 26 نائباً، وطالبوا من خلالها بإعادة مجلس الأمة وإجراء انتخابات نيابية جديدة استناداً إلى المادة 107 من الدستور، التي توجب إجراء انتخابات نيابية جديدة خلال 60 يوماً من حل المجلس. وواصل النواب عقد اجتماعات أسبوعية ظهر كل يوم اثنين في ديوانية أحدهم ليتباحثوا في عملهم، وقرروا في أحد الاجتماعات توجيه مذكرة أخرى بنفس المطالب إلى سمو الأمير بيوم الأحد 21 ديسمبر 1986، وكُلِّف النائب الدكتور أحمد الخطيب إرسالَ المذكرة إلى الديوان الأميري، لكنه فوجئ بإعادتها إليه بعد 24 ساعة من تسليمها، وعُلِّل ردها بأنها لم تسلك الطرق السليمة لإيصالها.

العريضة الشعبية

وباستثناء بعض الحراك السياسي النسبي خلال الفترة من حل المجلس في 86 إلى عام 89، ساد جو عام من الهدوء تخللته مواقف وبيانات وعرائض متفرقة من بعض جمعيات النفع العام ومؤسسات المجتمع المدني، كتلك العريضة التي وجهها تكتل النواب في 22 فبراير 1988 بمناسبة العيد الوطني، والتي جددوا من خلالها مطالبتهم بإلغاء اجراءات 1986، واتفق النواب على تكليف النائب حمود الرومي تسليمَ العريضة إلى الديوان الأميري، وسلمها بيده شخصياً إلى عبدالرزاق المشاري في الديوان الأميري، الذي فتحها وقرأها ووعد بأن يوصلها إلى الأمير بعد 24 ساعة لأن الأمير مشغول في ذلك اليوم بزيارة الملك حسين. وفي اليوم التالي تم الاتصال بالرومي وطُلب إليه الحضور إلى الديوان الأميري، ورد إليه المشاري العريضة وقال للرومي: «لقد عوتبت لقبولي الرسالة منك وهي حول هذا الموضوع وكنت قد توقعت أنها شكوى على إحدى الوزارات» فكان مصير العريضة كمصير سابقتها التي أرسلها الخطيب.

وفي ظل الرفض المتكرر لاستقبال رسائل النواب، ظهرت فكرة «العريضة الشعبية» في مارس 1988 التي شكلت أداة غرست بذور الحراك الشعبي الحقيقي للمطالبة بإعادة الحياة الدستورية، فصاغ النواب العريضة التي كان نصها:

«حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

نحن الموقعون أدناه نناشد سموكم اعادة الحياة النيابية وفق أحكام الدستور لما فيه خير وتقدم بلدنا الغالي في ظل قيادتكم الرشيدة».

وتمت دعوة المواطنين إلى التوقيع على العريضة، فتحول جمع التوقيعات إلى وسيلة جيدة لإطلاق حراك شعبي وحشد التأييد لعودة العمل بالدستور، فاستمر جمع التواقيع خمسة عشر شهراً من مارس 1986 حتى يونيو 1989، وقع خلالها على العريضة ما يزيد على عشرين ألف مواطن، وواجهت السلطة ذلك بأن أصدر وزير الإعلام آنذاك الشيخ جابر المبارك بياناً رأى فيه النواب تهديداً مبطناً للمواطنين بالمساءلة القانونية في حال توقيعهم على العريضة، لكن هذا البيان ساهم في زيادة الإقبال على التوقيع.

وفي إزاء ذلك، عدّلت السلطة قانون الخدمة المدنية بما يسمح لها بفصل موظف من دون أن يكون له حق باللجوء إلى القضاء للتظلم، وذلك إيحاء إلى المواطنين بإمكان فصلهم من أعمالهم إذا قاموا بأفعال ضد السلطة.

وكان تركيز النواب خلال تلك الفترة منصباً على جمع التواقيع، في حين تحولت اجتماعاتهم كل أسبوعين إلى ظهر الثلاثاء بدلاً من الاثنين، وبحثوا خلالها الأسلوب الأمثل لمواجهة التساؤلات المتزايدة من المواطنين عما يقومون به، فقرروا القيام بزيارة جمعيات النفع العام لشرح تحركاتهم والإجابة عن الأسئلة التي قد تطرح. كما قاموا في بداية عام 1989 ببعض الزيارات إلى ديوانيات المناطق الخارجية، فبدأوا بديوانيتي النائبين مبارك الدويلة وأحمد الشريعان، ثم ديوانيتي النائبين راشد سيف الحجيلان ودعيج الجري، وكانت زيارات غير منظمة ومن دون دعوة للمواطنين، بل كانت زيارات عادية لشرح تحركاتهم والاستماع للمواطنين.

مذكرة الصقر

في اطار آخر، برز تحرك جدي مواز لتحركات النواب تقوده مجموعة التجار التقليديين ممن كان لهم دور بارز في تأسيس الحياة الديموقراطية في البلاد، ففي ظهيرة يوم الثلاثاء الرابع من يوليو عام 1989 التقى رئيس مجلس الأمة الأسبق عبدالعزيز الصقر والنائب والوزير السابق حمود يوسف النصف وعبدالرحمن البدر سموَّ الأمير الشيخ جابر الأحمد في منزله بقصر دسمان، فجلس معهم الأمير وحيداً للاستماع لما لديهم، فأبلغوه أنه كان من المفترض أن يكون معهم عبداللطيف ثنيان الغانم رئيس المجلس التأسيسي ليسلمه الرسالة التي جاءوا لتسليمها، لكن ظروف تأجيل اللقاء أكثر من مرة على مدى سنوات أدت إلى ان ينعقد هذا اللقاء بعد وفاته في اغسطس من العام السابق، فسلموا الأمير وثيقة تضمنت المطالبة بإعادة العمل بالدستور والنهج الديموقراطي، وشددت على أن السلبيات التي وردت عن مجلس الأمة في خطاب الحل موجودة في الديموقراطيات العريقة كافة، إلا أن الأمير رفض تسلم العريضة وأعادها إلى أصحابها.

لجنة الـ 45

لم ينتشر خبر لقاء مجموعة الصقر بالأمير إلا بعد فترة من اللقاء، في حين واصلت «كتلة النواب» عملها لتنتقل إلى مرحلة تقديم العريضة الشعبية إلى سمو الأمير، لكن التجاوب الشعبي الملحوظ في التوقيع على العريضة دفعها إلى التفكير في توسيع القاعدة المؤسسية لعملها، فجاءت فكرة تشكيل ما عرف بـ«لجنة الـ 45»، التي سميت بذلك نسبة إلى عدد أعضائها، فكانت لجنة تمثل مختلف فئات الشعب الكويتي من قوى سياسية وقبائل وطوائف ومستقلين، تنحصر مهمتها في إيصال آلاف العرائض الشعبية الموقعة إلى سمو الأمير.

مع انتهاء جمع توقيعات العريضة الشعبية، عقدت لجنة الـ45 اجتماعها الأول في يوليو 1989، وقررت في اجتماعها إيصال العريضة إلى سمو الأمير، وشكلت لذلك لجنة فرعية لترتيب اللقاء مؤلفة من حمد عبدالعزيز الصقر ومشاري العصيمي وصلاح المرزوق والدكتور ناصر القنور، واتصل مشاري العصيمي بوكيل الديوان الذي حدد للجنة موعداً لمقابلته تمهيداً لتحديد موعد للقاء الأمير، ثم عاد واتصل بالعصيمي قائلاً له: «هذا الموضوع ليس ضمن اختصاصاتي وأعتذر عن الموعد اللي بيني وبينكم». وبعدها بأيام، قررت اللجنة أن يقوم الدكتور ناصر القنور بالاتصال لتحديد موعد وإيصال العريضة، فأخبره وكيل الديوان أن هذه القضية تتعلق بالسياسة العامة، لذلك فهي مرتبطة بالشيخ خالد الأحمد وزير شؤون الديوان الأميري، وفي اليوم التالي اتصل القنور بالشيخ خالد الأحمد ودار الحديث التالي:

القنور: أنا أكلمك باسم الإخوان الـ45 اللي كلفوني أن أتصل فيك وأن أطلب منك تحديد موعد لمقابلة صاحب السمو لتسليم العريضة الموقعة من مجموعة من المواطنين.

الوزير: بس إنت دكتور بالجامعة شنو علاقتك مع مجلس الأمة؟

القنور: هذا صحيح بس أنا ما أكلمك بصفتي دكتور بالجامعة... أنا أكلمك كمواطن كويتي كلفت من قبل مجموعة من الإخوة المواطنين.

الوزير: أنت تعرف أن هذا الموضوع قاعد يتحركون عليه مجموعة من الرموز وخل واحد من هالرموز يتصل فيني.

القنور: احنا في النهاية كلنا نتكلم كمواطنين.

الوزير: لا... أنا أقول لك في رموز وخل يتصل فيني واحد منهم.

وانتهت المكالمة على ذلك. وقام عضو اللجنة صلاح المرزوق بعد ذلك بالاتصال بالشيخ خالد الأحمد وكرر له نفس الطلب، فرد عليه الشيخ «إذا كان غرضكم تقديم عريضة ما في موعد... وبعدين إذا كنت تريد هذا الموضوع اتصل بالأخ سعد»، فرد عليه المرزوق «منو الأخ سعد؟ هل تقصد الشيخ سعد؟»، فأجاب الشيخ خالد «إي نعم أقصد الشيخ سعد»، وانتهت المكالمة على ذلك. وبعد ثلاثة أيام، ومع انتشار قصة الحديث الذي دار بين المجموعة وبين الديوان الأميري، اتصل الشيخ خالد الأحمد صباحاً بصلاح المرزوق وقال إن الديوان ليس لديه مانع باستقبال اللجنة شريطة أن يمثل لجنة الـ45 ثلاثة أشخاص فقط، وهو ما لم يكن في صلاحية اللجنة الفرعية اتخاذ قرار بشأنه، فأصروا على أن تقابل لجنة الـ45 كاملة سمو الأمير، فوافق الديوان على ذلك مع اشتراط ألا يتضمن اللقاء تقديم عريضة، الأمر الذي رفضته اللجنة فلم يتم اللقاء. وبناء على الرفض المتكرر لقبول العريضة تحولت مجموعة الـ45 إلى جهاز داعم لتحرك النواب، فأصبحت شيئاً فشيئاً تصدر البيانات الداعية إلى دعم المطالبات الدستورية، وترسل البرقيات إلى مسؤولي السلطة للمطالبة بعودة الحياة الديموقراطية. وشُكلت لجنة تنسيق لعمل لجنة الـ45 مؤلفة من النائب السابق د. خالد الوسمي ود. ناصر القنور والنائب الحالي مسلم البراك وإبراهيم الصالح ود. عبدالمحسن الخرافي وعبدالله البكر والوزير السابق جمال شهاب.

الضعف الحكومي

 

 

كان الحراك في خريف ذلك العام مختلفاً عن الأعوام السابقة وينبئ بشيء ما، وأمل متزايد لدى الشعب بعودة الحياة الدستورية وسط هذه الأجواء الإيجابية المطالبة بذلك، خصوصاً مع تخبط الحكومة في ذلك الوقت وعدم إنجازها شيئا ملموسا على الصعيد التنموي يعوض عن غياب مجلس الأمة ويثبت حجة الحكومة بأن مجلس الأمة يعطل أعمال الدولة، فأصبح الناس أقل إيماناً بقدرتها على الإنجاز، وأكثر تمسكاً بعودتهم إلى النهج الديموقراطي الذي تعودوه، فهذا يذهب إلى ديوانية نائب ليستمع لآخر الأخبار ويعرب عن تأييده، وآخر يوقع على عريضة تطالب بعودة النظام الديموقراطي، لكنهم جميعاً كانوا يجهلون ما هم بصدد إطلاقه بعد نهاية هذا الخريف وما سيواجهونه بعد ذلك.

مذكرة عبد العزيز الصقر وعبد الرحمن البدر وحمود النصف للأمير

أثناء حديث رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون في ديوانية النائب محمد المرشد، تطرق إلى لقاء عبدالعزيز الصقر وحمود النصف وعبدالرحمن البدر سموَّ الأمير الشيخ جابر الأحمد، مشيداً بالوثيقة التي قدموها إلى سموه. وإذ تعذر الحصول على نسخة منها الآن، بعد 20 عاماً من تقديمها، ففي ما يلي وصف السعدون للوثيقة التي اطلع عليها تكتل النواب آنذاك:

اطلعنا في الحقيقة على وثيقة قدمها العم عبدالعزيز الصقر وحمود النصف وعبدالرحمن البدر إلى سمو الأمير في لقاء لهم معه قبل أشهر، وهذه الوثيقة تتضمن في نصوصها ما هو أفضل كثيرا مما وجهناه كنواب إلى سمو الأمير في رسالتين عن ضرورة عودة العمل بالدستور، وهي وثيقة يجب أن تنشر ويراها الناس لأهميتها فقد أتت بموضوعين رئيسيين، أولهما تأكيد أن السلبيات الموجودة في المجلس والحكومة هي سلبيات موجودة في أعرق الديموقراطيات، ولذلك لا داعي إلى حل مجلس الأمة بسببها، وهو موضوع نتفق نحن كنواب معه، ونعترف أن هناك سلبيات في المجلس، لكن هذا أمر طبيعي، كما أن ثمة سلبيات موجودة في الحكومة أيضا. أما الموضوع الثاني فهو موضوع مهم جداً يتعلق بطريقة تشكيل الحكومة، فأشارت الوثيقة إلى أن الحياة النيابية إن عادت فستتعرض إلى نكسة ولن تستمر إذا استمرت السلطة بما تقوم به الحكومة حالياً في طريقة التشكيل. وكان هناك فقرة واضحة في الوثيقة عن هذا الموضوع تبيّن أن السلبيات لا تقتصر على المجلس، بل هي في الحكومة أيضاً.

وأشارت الوثيقة إلى نقطة جوهرية كانت محل خلاف في المجلس التأسيسي والحكومة لا تريد التسليم بها، فقد كان هناك في ذلك الوقت اتجاهان رئيسيان بشأن طريقة تشكيل الحكومة، أولهما هو أن تكون الحكومة كلها من داخل مجلس الأمة، والآخر هو أن يترك للأمير تشكيل الحكومة من خارج مجلس الأمة، وتم الاتفاق بعد ذلك على حل وسط في النص الحالي، وهو أن تكون الحكومة من داخل المجلس وخارجه، إذن فالهدف كان أساساً هو أن تكون الحكومة كلها من داخل المجلس، وكان التفكير في ذلك الوقت أنه مع مرور الزمن يتزايد عدد أعضاء الحكومة من داخل مجلس الأمة لتأتي حكومة مواكبة لتطلعات الناس، لكن الحكومة تتردى سنة بعد سنة، لتأتي حكومات مخالفة للاتجاه الذي رغب فيه الدستور.

وهذه الرسالة مهمة جداً ولا يجوز أن تبقى حبيسة الأدراج ويجب أن تنشر، فحتى نحن كنواب عجزنا أن نكتب ربع هذه الرسالة من حيث مضمونها وأسلوبها، وفي الحقيقة فإن الوثيقة حملت لمسة وفاء كبيرة للعم عبداللطيف ثنيان الغانم رئيس المجلس التأسيسي، فذكرت الفقرة الأخيرة في الوثيقة أنه كان من المفترض أن يتقدم بها العم عبداللطيف الغانم إلى سمو الأمير، لكن وفاته في العام الماضي بعد تعذر عقد هذا اللقاء أكثر من مرة حال دون ذلك.

أعضاء لجنة الـ 45

1- د. عبدالمحسن مدعج المدعج (منسق مجموعة الـ 45)

2- عبدالله عبدالسلام البكر

3- د. ناصر محمد القنور

4- بدر ناصر العبيد

5- حمد عبدالعزيز الصقر

6- مشعل سالم المقبول

7- ناصر ثلاب الهاجري

8- د. يوسف حمد الابراهيم

9- جمال أحمد الشهاب

10- محمد عبدالله العازمي

11- فهاد محمد العريمان

12- إبراهيم أحمد الصالح

13- مشاري محمد العصيمي

14- سعد مطلق الراجحي

15- محمد علي القلاف

16- عبدالعزيز سلطان العيسى

17- مسلم محمد البراك

18- أحمد يوسف النفيسي

19- عبدالعزيز فايز الدوسري

20- عبدالمحسن عبدالله

21- محمد خالد الرومي

22- محمد عبدالمحسن المخيزيم

23- خليفة عبدالله المحيطيب

24- خليفة عبدالله الوقيان

25- سليمان حمد الموسى

26- يوسف عبدالعزيز البدر

27- علي محمد ثنيان الغانم

28- د. خالد ناصر الوسمي

29- حسن يوسف العيسى

30- بدر سعود السميط

31- مطلق ماهر البغيلي

32- وليد عبداللطيف النصف

33- يحيى محمد الربيعان

34- عبدالله عبدالرحمن الطويل

35- عبدالمحسن محمد الجارالله

36- د. محمد صالح المهيني

37- ثابت عبدالرحمن البالول

38- خالد ناصر الصانع

39- مصطفى عبدالله الصراف

40- راشد صالح التوحيد

41- ناصر مضحي العنزي

42- صلاح فهد المرزوق

43- عبدالرزاق عبدالله معرفي

44- د. عبيد سرور العتيبي

45- د. سعد بن طفلة العجمي

من أشعار ديوانيات الاثنين

اللي يحب الشعب يفتح لهم بابه

ويسمع كلام الشعب ويكون لهم بابه

مثلك طبيب والمرض معروفة أسبابه

صرنا فرايس نسر بين مخلب ومنقار

عم الفساد وانتشر واحنا لحسنا قار

ناس بسنام الجبل وشعبك تقضبه الـ قار

أدمى كفوف الشعب دقٍ على بابه

(يتبع)

 
 

 

 

الحلقة الخامسة

 
أحمد السعدون وجاسم القطامي وناصر البناي في الديوانية
ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه
ديوانيات الاثنين تنطلق بهدوء عند جاسم القطامي في الشامية
(5)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاماً وتحديداً في الرابع من ديسمبر 1989، حين كانت الكويت تعيش زمنا مأزوماً بلا دستور، بدأت «الحركة الدستورية»، وهي تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً في مجلس الأمة الذي حُلَّ عام 1986، وفعاليات مبدعة من مختلف قطاعات الشعب الكويتي، المطالبةَ بإعادة العمل بالدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة وقمع حرية التعبير في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الأيام في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإنه من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى. على مدى هذه الحلقات تروي «الجريدة» قصة التحرك الشعبي بين عامي 1986 و1990.

وسائل جديدة

في مواجهة رفض السلطة الكامل للتعامل مع العرائض الشعبية، ومع توسع «الحركة الدستورية» لتشمل تكتل النواب ومجموعة الـ45، كان لابد من التفكير بتطوير أسلوب المطالبة والضغط، لأن الضغط على النواب بات كبيراً في مواجهة أسئلة مثل: «ماذا فعلتم خلال الفترة الماضية؟» أو «ماذا نستطيع كمواطنين أن نقدم؟» إذ إن لقاءات النواب وعرائضهم كانت تجري بمعزل عن الرأي العام. وفي مقابل تلك التساؤلات ازداد الضغط على النواب مع رفض السلطة لاستقبال العرائض والمذكرات على مدى ثلاث سنوات والتعتيم الإعلامي المفروض من خلال الرقابة المسبقة على الصحف، فجاءت كل هذه العوامل لتضغط على النواب لاستحداث وسائل جديدة لعملهم. فكان الموضوع محل بحث في اجتماعات النواب ظهيرة الثلاثاء، فاقترح بعضهم القيام بمسيرة حاشدة، في حين رأى آخرون أن في ذلك تصعيداً للموقف وقد يحمل استفزازاً للسلطة، بينما رأى فريق ثالث أن تُصاغ عريضة جديدة بأسلوب حاد توجه إلى السلطة، لكن هذه الفكرة لم تلقَ قبولاً ايضاً. وفي غمرة الأفكار، برزت فكرة عقد لقاءات عامة مع المواطنين في ديوانيات النواب مساء كل يوم اثنين، على أن تحدد ديوانية معينة لكل لقاء، وبذلك يستغل النواب عدم انطباق قانون التجمعات على ديوانياتهم في حشد التأييد والتواصل المباشر مع الجمهور. وانطلقت بهذه الفكرة شرارة ما عرف بعد ذلك بـ«ديوانيات الاثنين».

بدأ النواب بالتعاون مع مجموعة الـ45 بشحذ الهمم للدعوة إلى أول لقاءات الديوانيات، الذي تقرر أن يكون بعد صلاة العشاء بديوانية النائب جاسم القطامي بالشامية في يوم الاثنين الرابع من ديسمبر 1989. وفي وقت كانت وسائل الاتصال بدائية، مقارنة بما هي عليه الآن، بدأ مناصرو الحركة الدستورية اتصالاتهم بالدعوة إلى ديوانية القطامي.

اللقاء الأول

حل الظلام باكراً في تلك الليلة الشتوية، وكانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة والنصف مساءً حين بدأ النواب يتوافدون إلى ديوانية القطامي واحداً تلو الآخر، وأخذ الناس يتوافدون معهم تباعاً حتى غصت قاعة الديوانية بالناس، فجلست البقية في ساحتها الخارجية بينما اختار البعض البقاء بسياراتهم تجنباً للبرد الخفيف في ذلك المساء، خصوصاً بعد أن علموا أن وقائع الندوة ستنقل على محطة الأف إم عبر جهاز يبث لمدى قصير على موجات الراديو للموجودين قرب الديوانية، ولم يكن هذا الأسلوب غريباً آنذاك، إذ سبق استخدامه أثناء الحملات الانتخابية لمجلس 1985.

قدر الحضور تلك الليلة بـ700 شخص، وهي بداية رآها النواب مشجعة لعملهم، فاستغلوا الفرصة ليعلنوا في بداية الجلسة أن اللقاء المقبل سيكون في ديوانية النائب مشاري العنجري بمنطقة النزهة مقابل جسر الروضة، كما لفت إلى ذلك جاسم القطامي في بداية حديثه الذي أعلن في بدايته أنه بداية من هذا الأسبوع سيبدأ النواب زيارات منتظمة كل أسبوع لديوان أحد النواب، مشيراً إلى ضرورة التزام الأسلوب العقلاني الهادئ وعدم اللجوء إلى العنف، قائلاً: «نحن مضطرون أن نسلك سلوكا دستوريا ترضى فيه كل تعليمات وزارة الداخلية، وحريصون أن تكون دواويننا كما هي».

وتحدث النائب أحمد السعدون الذي قوبل بتصفيق حاد عند تقديمه، فأكد أن هذا الحضور يدل على مدى تمسك الشعب الكويتي بنظامه الدستوري وعلى تمسكه ايضا بحقه في المشاركة الشعبية، مبيناً أن فكرة التواصل مع المواطنين عبر الدواوين كانت قد بدأت في بعض ديوانيات النواب منذ بداية العام ثم توقفت في فترة الصيف، مضيفاً أن النواب بدأوا الاتصال بجمعيات النفع العام، وقدم شرحاً وافياً لطبيعة التحركات التي يقوم بها النواب ومجموعة الـ45 منذ حل مجلس الأمة «واحتلال مبنى مجلس الأمة احتلالاً عسكرياً» وحتى اليوم. كاشفاً ان تجاوب المواطنين فاق توقعات النواب، فالعريضة الشعبية كانت فكرتها أن يأتي كل نائب بـ50 توقيعاً من كل دائرة إلا أن الإقبال كان كبيراً، وأضاف: «كان لبيان وزير الإعلام الشيخ جابر المبارك الذي حذر من خلاله، بشكل غير مباشر، المواطنين من التوقيع أثراً إيجابياً، إذ ساهم في نشر الخبر عن العريضة، وقد أفادنا وزير الإعلام في ذلك من حيث لا يعلم». مشدداً على مواصلة التحرك الشعبي عبر عقد اللقاءات بشكل أسبوعي في ديوانيات النواب.

الحاقدون

ثم فتح باب الحوار ووجه بعض الحضور أسئلة عن طبيعة التحرك القادم وما قام به النواب خلال الفترة الماضية، وتحدث الدكتور خالد الوسمي بصفته امين سر لجنة التنسيق لمجموعة الـ45، مؤكدا مطالبة الشعب بعودة الحياة الدستورية، وطرح اقتراحا بتشكيل لجنة للدفاع عن الدستور الكويتي، شارحاً ما قامت به اللجنة لإيصال العريضة وآلية عمل مجموعة الـ45.

وتحدث النائب محمد الرشيد متسائلاً عن الضرر من بقاء الديموقراطية والشفافية في العمل قائلاً إن «وجود الديموقراطية يعطي سمعة جيدة للدولة ما في بالمنطقة مثلها»، مشيراً إلى حديث ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد لدى لقائه مجالس المحافظات، وهي مجالس حاولت من خلالها السلطة توفير بديل عن مجلس الأمة، إذ قال الشيخ سعد للحضور «اتركوا الحاقدين»، وعلق الرشيد على ذلك في ديوانية القطامي قائلاً: «من هم الحاقدين؟ هل القصد اللي ما يقبلون التعيين؟ اللي ما يتعاونون معاك وما يتعاونون على الباطل؟ الناس تتعاون مع الحق ما يتعاونون مع الباطل فهل هؤلاء يستحقون كلمة حاقدين؟».

وقال أحد الحضور للنائب أحمد الربعي، إن الحكومة تطالب أن تُحل قضية لبنان على الطريقة الشرعية ومن خلال البرلمان والدستور اللبناني، سائلا: «ليش نصير مثل عين عذاري؟»، فرد الربعي: «هناك مشكلة لدينا كدولة، ولا يجب أن نغالط أنفسنا ونعتقد أننا دولة عظمى وباستطاعتنا حل مشكلات العالم بينما قضيتنا معلقة، وأعتقد أن علماء السياسة لو درسوا الوضع في الكويت سيستغربون من أن المعارضة مسؤولة والطرف الآخر غير مسؤول بينما العادة العكس، فعادة الناس اللي يعارضون هم اللي يتم اتهامهم بروح اللا مسؤولية وهم من يستخدمون عادة كلمات نابية ويكسرون القانون، بينما في الكويت انقلبت الموازنات، فالمعارضة في الشارع هي من يريد الدستور ويحترمه، وصاحب القرار والسلطة السياسية هي التي تكسر الدستور ويستخدم لغة أخرى، لغة الحاقدين، وهذه نترفع عنها».

اعتداء على الحقوق

وتحدث النائب حمد الجوعان رداً على سؤال لأحد الحاضرين عما إذا كان التجمع في الديوانية مخالفا للقانون أم لا، خصوصاً في ظل وجود قوانين مقيدة، وقال الجوعان: «أنا لا أريد أن أتطفل على الكثيرين من القانونيين اللي حاضرين اليوم، فحسب ما أشوف هناك جمهرة من المحامين وأنا آخرهم ولست بأولهم، ولا أعتقد أن هذه الجمهرة موجودة في هذا الاجتماع وهي تعلم أنها تخالف القانون... الأمر الآخر هو أن القانون مثل أي نص كل واحد يقرأه على كيفه، ضعاف النفوس تقرأ بعض النصوص وتنشر من خلال قراءته السوس، وقراءتنا لنصوص الدستور أقوى من قراءة أي نص قانوني، فالدستور أبو القوانين وهو لم يحظر هذه الاجتماعات»، وأضاف الجوعان: «لا أريد أن أتكلم كإنسان قانوني... أنت سلبتني من حقي الأساسي، أنا أتحدث كمواطن إنسان تعرضت للاعتداء ومن حقي أن ألتقي بإخواني المواطنين لندفع معاً هذا الاعتداء .. وكون هذا الاجتماع قانوني أم لا أنا أسألك سؤال أول، هل هناك اعتداء على حقوقي أم لا... إذا كانت الإجابة نعم فاجتماعنا قانوني». واختتم القطامي اللقاء «لأن الناس برة يقولون لي إنهم تعبانين وبردانين». ووسط التصفيق، أثناء خروج الجمهور، قام بعضهم بالسلام على أصدقاء قدامى لم يتوقعوا رؤيتهم، وتوجه آخرون إلى النواب للسلام عليهم والحديث معهم، في حين ازداد الشعور بينهم بصلة ما تجمع الموجودين الذين تواعدوا على اللقاء مجدداً في الأسبوع القادم بديوانية مشاري العنجري بالنزهة «مقابل جسر الروضة».

نواب الحركة الدستورية

1- أحمد عبدالعزيز السعدون

2- صالح يوسف الفضالة

3- حمد عبدالله الجوعان

4- مبارك فهد الدويلة

5- أحمد نصار الشريعان

6- راشد سيف راشد الحجيلان

7- سامي أحمد المنيس

8- مشاري جاسم العنجري

9- سعد فلاح طامي

10- دعيج خليفة الجري

11- ناصر فهد البناي

12- فيصل عبدالحميد الصانع

13- د. يعقوب محمد حياتي

14- هاضل سالم الجلاوي

15- حمود حمد الرومي

16- محمد سليمان المرشد

17- يوسف خالد المخلد

18- د. ناصر عبدالعزيز صرخوه

19- عبدالعزيز عبداللطيف المطوع

20- أحمد يعقوب باقر

21- د. أحمد محمد الخطيب

22- د. أحمد عبدالله الربعي

23- د. عبدالله فهد النفيسي

24- جاسم محمد القطامي

25- عبدالله يوسف الرومي

26- سالم عبدالله الحماد

27- عباس حبيب مناور

28- جاسم محمد العون

29- خالد عجران العجران

30- خميس طلق عقاب

31- مبارك حمد الزوير (انضم للحركة فترة بسيطة ثم انسحب)

32- جاسر خالد الجاسر (انضم للحركة فترة بسيطة ثم انسحب وخاض انتخابات المجلس الوطني)

33- علي عبدالله الخلف (انضم للحركة فترة بسيطة ثم انسحب وخاض انتخابات المجلس الوطني)

بين «غاندي» و «وضاح»

أيام ديوانيات الاثنين كتبت مجموعة من القصائد والزهيريات تحت الاسم المستعار «غاندي» الرامز إلى المعارضة السلمية ، ووُزعت أيامها في الديوانيات الاثنينية، ويحتفظ بعض الأصدقاء بنسخ منها، كالصديق حمد مانع العجمي الموثّق والناشط خلال أزمة الحل غير الدستوري، لكني بعد 20 عاما من تلك الأزمة لم أجد بين أوراقي الصفراء إلا زهيريتين، هذه إحداهما:

يا حيف حكّامنا يسِمعون راي اللاش

إللي يبيع الوطن واهل الوطن ببلاش

اليوم سوقه انتعش ياخذ أنواطه كاش

عن الشعب من فوّضك .. يـ المدعي بالعدل

الكلب ذيله أبد معلوم ما ينعدل

خسران يا بو الكلك إحسب حسابك عدل

للدار دمنا ثمن .. وانته تبيع ابلاش

غاندي

(وضّاح حالياً)

من أشعار ديوانيات الاثنين

نوابنا والنعم

نوابنا والنعم كلكم على راسي

وقت الشدايد ذخر حقي ومتراسي

مثل الصخر عزمكم مثل الجبل راسي

لان الحديد بلهب وانتوا فلا لنتوا

واللي سأل من بعث أمه نقول انتوا

وإن قلتو قال الشعب كلنا نقول منتوا

واللي سعى بحقنا عيني وعلى راسي

عاشق وطن

ديسمبر 1989

(يتبع)

الشهيد الأسير النائب فيصل الصانع في إحدى الديوانيات

 

الحلقة السادسة

 

 

 
اللافتة التي وضعت على مدخل ديوانية العنجري
ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه
ديوانية العنجري تشهد أول اعتراض من السلطة على التحرك الشعبي
المواطنون والنواب يعبرون عن احتجاجهم بأداء صلاة عشاء في مسجد فاطمة حضرها الآلاف
(6)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاماً وتحديداً في الرابع من ديسمبر 1989، حين كانت الكويت تعيش زمنا مأزوماً بلا دستور، بدأت «الحركة الدستورية»، وهي تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً في مجلس الأمة الذي حُلَّ عام 1986، وفعاليات مبدعة من مختلف قطاعات الشعب الكويتي، المطالبةَ بإعادة العمل بالدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة وقمع حرية التعبير في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الأيام في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإنه من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى.

على مدى هذه الحلقات تروي «الجريدة» قصة التحرك الشعبي بين عامي 1986 و1990.

خلال الأسبوع الماضي كانت أحاديث الدواوين تتمحور حول لقاء ديوانية القطامي والحضور الكبير والكلام الذي قيل، فكان من لم يحضر الشامية عازماً هذه المرة لحضور ديوانية العنجري في النزهة حيث اللقاء الثاني يوم الأثنين 11 ديسمبر 1989.

في غضون ذلك، بدا في اجتماعات النواب بعد لقاء القطامي الحديث عن الحاجة إلى ضرورة تشكيل جسم آخر ضمن الحركة الدستورية يتولى مهمة نقل الخطاب الإعلامي بصورة أكثر كفاءة وأكثر فاعلية لتصل رسالة النواب لأكبر عدد ممكن من المواطنين في ظل التعتيم الإعلامي الذي فرضته السلطة برقابتها المسبقة على الصحف. ووسط هذه الأحاديث، استقر النواب على تشكيل اللجنة الإعلامية للحركة الدستورية والتي ترأسها الدكتور غانم النجار وضمت في عضويتها الشهيد الأسير النائب فيصل الصانع والمرحوم النائب سامي المنيس وجاسم السعدون ومحمد القديري ونصار الخالدي. وقد استطاعت اللجنة الإعلامية التي كانت تعقد اجتماعاتها بمنزل النائب فيصل الصانع بمنطقة كيفان أن تسهم في كسر الحصار الإعلامي الذي فرضته السلطة بطريقة محكمة، وذلك على الرغم من محاولات التضييق والملاحقة التي كان عانى منها أعضاء اللجنة فيما بعد، إلا أن اللجنة تمكنت من خلال عملها من التواصل مع مراسلي وسائل الإعلام العاملية واللجان الدولية كما تمكنت من إنتاج شريطين فيديو حول الحركة الدستورية سميا بـ «حد 1» و «حد 2» تم من خلالهما شرح أهداف ومنطلقات الحركة الدستورية. وقد كانت فكرة أشرطة الفيديو بالإضافة إلى الكاسيت أسلوباً فعالاً في كسر الحصار الإعلامي المفروض من قبل السلطة، إذ تم تداول هذه الأشرطة على نطاق واسع بين المواطنين.

ليلة النزهة

في النزهة كان موعد لقاء الليلة بديوانية مشاري العنجري، فوجيء العنجري في صباح ذلك اليوم باتصال من مختار منطقة النزهة ابراهيم القطان طالباً مقابلته في ديوانه. فأتى القطان لديوان العنجري الذي علم من خلال ذلك اللقاء بأن الحكومة قد ضاقت بتجمع الأسبوع الماضي، إذ طلب منه المختار إلغاء تجمع الليلة بناء على أوامر وزارة الداخلية و ما أسماه بـ «تعليمات عليا»، وقال له «أوامري هي بمنع اللقاء واذا لم يتم منعه فسيتحمل والدك المريض كامل المسؤولية لان التجمع سيكون في بيته». وتلقى العنجري رسالة المختار ونقلها للنواب في لقاء جمعهم ذلك المساء بديوانية حمود الرومي بالفيحاء بعد صلاة المغرب. فقدر النواب المسؤولية الملقاة على عاتقهم وقرروا تقدير الموقف مع حلول الموعد، وتوجهوا جميعاً ليقفوا في الساحة المقابلة لديوانية العنجري.

فوجئ النواب لحظة وصولهم بحضور كثيف لدوريات الشرطة التي لم تكن متواجدة في لقاء القطامي الأسبوع الماضي. ومع ترجل النواب من سياراتهم اكتشفوا أن الأمر قد تعدى الدوريات فكان هناك تواجد كثيف لرجال الأمن في أماكن ظاهرة وبعيدة عن الأنظار بالإضافة إلى تواجد للقوات الخاصة مع كلاب بوليسية، كما لوحظ تطويق الديوانية والساحة المقابلة لها والمنطقة المحيطة. إلا أن أكثر ما أثار دهشة الجموع كان اللافتة التي وضعت على باب الديوانية، وكتب عليها بخط اليد «الديوانية مغلقة بناء على أمر وزارة الداخلية هذا اليوم».

بدا في تلك الليلة أن النواب لم يكونوا الوحيدين الذين أتوا باكراً، بل أن بعض من المواطنين قد حضر مع أذان العشاء ليفاجؤوا بالمنظر ذاته من منع للجمهور من دخول الديوانية، وهو أمر غير مسبوق أن تمنع السلطات الأمنية مواطنين من دخول ديوانية.

ومع نهاية الأذان، اصطف بعض النواب والحضور أمام باب الديوانية المغلقة لأداء صلاة العشاء وسط هدوء عم المتواجدين، فيما لوحظت أعداد غفيرة من المواطنين تنزح نحو الديوانية بعد أن أوقفوا سياراتهم في أماكن بعيدة. وبعد نهاية الصلاة، اعتلى رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون سلم الديوانية محاطاً ببعض النواب، وتحدث للحضور بواسطة مكبر يدوي للصوت، فشكر للمواطنين تلبيتهم للدعوة واستنكر إغلاق السلطة للديوانية رغم أن التجمع سلمي. وتقدم بعض رجال الأمن ناحية السعدون محاولين إيقاف حديثه وأمر المتجمهرين بالتفرق خلال دقائق، إلا أن السعدون واصل كلمته حتى نهايتها، معلناً أن تجمع الأسبوع القادم سيكون لأداء صلاة العشاء بمسجد فاطمة في ضاحية عبدالله السالم. وبعد إنهاء السعدون لكلمته، انفض الجمع الذي قدر بنحو 2000 شخص بهدوء.

استنكار واعتذار

 قوبل تعامل السلطة مع تجمع العنجري باستنكار واضح، خصوصاً بعد تناقل أخبار ما جرى بين المواطنين في أحاديثهم اليومية، فأرسل النواب ومجموعة الـ 45 وبعض جمعيات النفع العام برقيات استنكار إلى ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الشيخ سعد العبدالله. الأمر الذي أشعر السلطة بأنها أخطأت بفعلتها تلك.

 

وفي صباح يوم السبت التالي، 18 ديسمبر 1989، استدعى نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد كل من النواب مشاري العنجري وصالح الفضالة وحمود الرومي وأحمد باقر ومبارك الدويلة إلى مكتبه في وزارة الخارجية قبالة الخليج العربي، وكان ذلك أول لقاء بين ممثل للحكومة ونواب مجلس 1985. وفي اللقاء أعرب وزير الخارجية عن أسفه لما جرى و مقدماً الاعتذار باسم الحكومة للنائب مشاري العنجري قائلاً أن ما تم من منع قد جرى بشكل خاطيء فالديوانية في الكويت لها قدسيتها، وأبلغهم أن الحكومة على علم بتجمع الأثنين القادم في ضاحية عبدالله السالم ولن تمنع هذا التجمع.

الاحتجاج الصامت

وبعد يومين من لقاء الشيخ صباح بالنواب، جاء يوم الاثنين 18 ديسمبر الموعود للقاء مسجد فاطمة بضاحية عبدالله السالم. فاكتظت مداخل الضاحية بالسيارات الآتية من جميع مناطق الكويت لأداء صلاة العشاء في ذلك اليوم، الذي تقرر أن يكون لقاءً شعبياً من دون إلقاء خطب، يهدف إلى الاحتجاج صمتاً على أحداث الاثنين الماضي بديوانية العنجري، ليستمر بذلك أسلوب المعارضة العاقلة والهادئة التي تحدث عنها جاسم القطامي في ديوانية الاثنين الأولى.

 

توافد إلى المسجد قرابة 3500 شخص، وسط حضور نسائي ملحوظ عند مصلى النساء، فأدى الجميع الصلاة، وساد الهدوء المنطقة المحيطة بالمسجد، التي اكتظت بالناس الذين لم يسعهم مسجد فاطمة ذو البناء الدائري. وبعد الصلاة، خرجت الجموع من المسجد، والتف الناس في حلقات حول بعض النواب مدة قاربت الساعة، سرت خلالها أنباء بأن لقاء الأسبوع القادم سيكون في ديوانية النائب محمد المرشد بالخالدية بعد صلاة العشاء. ثم تفرق الحضور بهدوء، وعادت ضاحية عبدالله السالم إلى طبيعتها.

النواب في رسالة استنكار لولي العهد: كدتم تفجرون الموقف لولا عناية الله وحكمة المواطنين

سمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الموقر حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

انطلاقاً من إيماننا بضرورة وحدة الجبهة الداخلية في مجتمعنا وخاصة في الظروف الراهنة، ومن رغبتنا نحن الموقعين أدناه في تطوير مجتمعنا الكويتي بشكل ديموقراطي، وانطلاقاً من إيماننا بروح الأسرة الواحدة ومن التقاليد الكويتية الراسخة التي تعتمد على الحوار، فإننا نأسف للقرار الصادر من الحكومة بإغلاق إحدى الديوانيات الكويتية اعتادت اللقاء بزوارها، وذلك في إجراء لم يسبق له مثيل يتنافى مع ما للديوانية من معنى في قلوب الكويتيين وعاداتهم، ومما يؤسف له أكثر أن وزارة الداخلية حشدت قواتها في مواجهة المواطنين واستعدت عليهم القوات الخاصة، جلبت الكلاب المدربة وغيرها، وكادت مثل هذه التصرفات أن تفجر الموقف لولا عناية الله ثم حكمة المواطنين، ومن الغريب أن تتخذ مثل هذه الإجراءات في مواجهة مواطنين مسالمين لا هدف لهم إلا إعلاء شأن البلاد ووحدة مجتمعها والحفاظ على دستورها.

وحفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه في ظل حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى.

أحمد عبدالعزيز السعدون - صالح يوسف الفضالة - سعد فلاح طامي - مشاري جاسم العنجري - فيصل عبدالحميد الصانع - عبدالله يوسف الرومي - خميس طلق عقاب - د. يعقوب محمد حياتي - سامي أحمد المنيس - د. عبدالله فهد النفيسي - دعيج خليفة الجري - د. أحمد عبدالله الربعي - خالد العجران - جاسم عبدالعزيز القطامي - حمود حمد الرومي - د. ناصر عبدالعزيز صرخوه - ناصر فهد البناي - مبارك فهد الدويلة - محمد سليمان المرشد - أحمد يعقوب باقر - عباس مناور - حمد الجوعان - راشد سيف الحجيلان - أحمد نصار الشريعان - د. أحمد الخطيب - هاضل سالم الجلاوي - عبدالعزيز عبداللطيف المطوع.

ضوء

النائب الموثق

من حضر ديوانية النائب محمد المرشد، التجمع الشعبي الرابع في ديوانيات الاثنين، لا يمكنه أن ينسى النائب السابق العم محمد الرشيد الذي يعد أحد رموز الحركة الوطنية وأحد رواد «الحركة الدستورية». ففي تلك الديوانية، وبينما توقف رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون عن حديثه ليراجع أفكاره من كتيب صغير وضعه أمامه، وقف العم محمد الرشيد من مكانه ممسكاً بكاميرته الفوتوغرافية ليلتقط صوراً للجمهور الجالس أمامه، ثم التفت إلى السعدون الجالس بجانبه ليلتقط صورة له وسط ابتسام السعدون، ليلتفت بعد ذلك إلى يساره حيث يجلس النواب مبارك الدويلة وجاسم القطامي والدكتور عبدالله النفيسي والأسير الشهيد فيصل الصانع ليلتقط لهم صورة أخرى وهم مبتسمون فيرد عليهم بالابتسام كعادته.

العم محمد الرشيد الذي تعرض للمضايقات والاعتداء من قبل السلطة في ديوانيات الاثنين، وخصوصاً في أحداث الجهراء التي سنأتي إليها لاحقاً، له أرشيف هائل من الصور والوثائق من تلك الحقبة، ونشكر نجله الدكتور أنس الرشيد على تزويده «الجريدة» ببعض المواد القيمة من أرشيف والده الغني.

من أشعار ديوانيات الاثنين

كأس الألم نشربه لاجل الوطن حالي

واللي عشق ديرته حاله مثل حالي

موبس فخرنا مضى، لا فخرنا حالي

خاب الذي ظننا من قوم مكاري

نفدي الأمل بالعمر دوم الفدى كاري

أرضى يضيع العمر بس تبقى أفكاري

دين الوطن مو أجل انسدده حالي

(يتبع)

النائب مشاري العنجري في أحد تجمعات ديوانيات الاثنين
مسجد فاطمة ضاق بآلاف المصلين فصلى الكثيرون منهم في الساحة الخارجية
محمد الرشيد يلتقط الصور في ديوانية المرشد
ملحقات
الاعتصام الصامت والصلاة بمسجد فاطمة - 1
الاعتصام الصامت والصلاة بمسجد فاطمة - 2

 

الحلقة السابعة

 
النواب صالح الفضالة ومحمد المرشد وأحمد السعدون
ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه
تجمع ديوانية المرشد: تزايد الحديث عن بدائل لمجلس الأمة ولا بديل عن دستور 1962
(7)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاماً وتحديداً في الرابع من ديسمبر 1989، حين كانت الكويت تعيش زمنا مأزوماً بلا دستور، بدأت «الحركة الدستورية»، وهي تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً في مجلس الأمة الذي حُلَّ عام 1986، وفعاليات مبدعة من مختلف قطاعات الشعب الكويتي، المطالبةَ بإعادة العمل بالدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة وقمع حرية التعبير في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الأيام في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإنه من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى.

على مدى هذه الحلقات تروي «الجريدة» قصة التحرك الشعبي بين عامي 1986 و1990.

بعد تجمع العنجري ومسجد فاطمة وتلقي النواب تطمينات من قبل نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية آنذاك الشيخ صباح الأحمد بأن السلطة لن تمنع التجمعات، كان التوجس يخيم على الآتين يوم الاثنين 25 ديسمبر 1989 للتجمع الرابع في ديوانية النائب محمد المرشد في الخالدية، إلا أن «الحركة الدستورية» التي ضمت تكتل النواب ومجموعة الـ45 واللجنة الإعلامية، قد عقدت العزم على مواصلة عملها، فتحسبت لحضور جموع غفيرة لتجمع «الاثنين الرابع» بعد أن لمست تزايداً ملحوظاً في عدد الحضور من تجمع إلى آخر، فوُضعت سماعات خارج الديوانية تحسباً لحشود كبيرة. ولم يخب ذلك الظن، فحضر التجمع حشد تجاوز 5000 شخص، فكان بذلك أكبر تجمع حتى الآن وسط غياب رجال الأمن، وهو ما رآه البعض تغييراً في سياسة السلطة.

في الساحة الترابية المقابلة للديوانية جلس أغلب الحضور في جو شديد البرودة، بينما تواصل بث اللقاءات على موجات الـ«إف. إم» لمن يفضل البقاء في سيارته، في حين غصت قاعة الديوانية التي ملأها دخان السجائر بالموجودين الذين جلسوا على الأرض، في وقت جلس المتحدثون على كراسيّ عند مدخل الديوانية. وقبل إلقاء النائب محمد المرشد كلمته، بان أن البعض قد تضايق من دخان السجائر الكثيف فطلب من المدخنين الكف عن التدخين، وعلق أحد الحضور «زين يسوون».

موفدو السلطة

 

وجلس المرشد وعلى يمينه رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون وعلى يساره النائب صالح الفضالة، فقرأ كلمة معدة سلفاً رحب فيها بالحضور مضيفاً: «كما أرحب باسمكم وباسمي بالإخوة موفدي السلطة الذين حضروا بيننا وحوالينا للقيام بما كلفوا به»، فقاطعه تصفيق حاد من الجمهور وسط ضحكات هنا وهناك، فأكمل المرشد «فإنهم واجدون صدراً رحباً وملقىً عذباً، ولا يظن أحد منهم أننا نضيق بهم أو نتخوف منهم، لأننا أولاً نشعر بأنهم إخوة لنا ومواطنون مثلنا وثانياً ليس لدينا شيء نخاف منه، فكل ما لدينا حديث وحوار حول موضوع يتعلق بالمصلحة العامة للكويت وأهلها (...) فنحن ضد التهور والتجاوز والغضب». واعتذر المرشد عن مواصلة حديثه نظراً إلى أنه صاحب الديوانية، تاركاً المجال للنائب صالح الفضالة لإدارة الجلسة ليلتفت هو إلى ضيوفه.

كان واضحاً أن حديث الليلة سيكون عوداً إلى الأساسيات التي قامت عليها الحركة الدستورية في زيادة وعي المواطنين حول أهمية الدستور، إضافة إلى مواصلة شرح تحركاتها التي قامت وتقوم بها بهدف تزويد المواطنين بجميع المعلومات وسط التعتيم الإعلامي الحكومي. كما كان واضحاً أن النواب المتحدثين قد وزعوا الأدوار بينهم، فتقرر أن يتحدث النائب أحمد السعدون ليشرح التحركات التي تمت خلال الفترة الماضية منذ حل المجلس وتعليق الدستور، في حين يتحدث النائب أحمد باقر عما خسرته الكويت بفقدان مجلس الأمة، ويتحدث النائب الدكتور أحمد الخطيب عن الفرق بين التعيين والانتخاب، بينما طُلب من النائب مبارك الدويلة أن يدلي بحديث حماسي للجمهور والإجابة عن بعض الأسئلة المتداولة.

الأسباب الحقيقية للحل

وبعد ترحيب النائب صالح الفضالة بالحضور شارحاً بعض التحركات التي قام بها النواب منذ حل المجلس، تحدث رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون معلقاً على أحداث الأسبوعين الماضيين، مبيناً أن السلطة تبرأت من منعها للتجمع بعد أن تم الاعتذار من العنجري بشكل رسمي. وحاول السعدون في بداية حديثه مقارنة الأمر الأميري بحل مجلس الأمة عام 1986 بحل مجلس الأمة عام 1976 والأسباب التي ساقتها السلطة في الحالتين، رابطاً ذلك بتزوير انتخابات 1967، متسائلاً عن مدى إيمان السلطة في الكويت بدستور 1962.

واستعرض السعدون بداية الحياة النيابية وتطورها في البلاد وولادة الدستور، مشيراً إلى أن هناك العديد من النصوص الواردة في الدستور لم تكن محل وفاق، لكنها جاءت كحلول وسط، وهناك فقرة وردت في المذكرة التفسيرية تتحدث عن أن الدستور يفترض إعادة النظر فيه بعد خمس سنوات من إصداره من أجل المزيد من الحريات، لذلك أتى بعض المرشحين في انتخابات عام 1967 ممن كانوا في المجلس التأسيسي ومجلس الأمة الأول ببرامج لإعادة النظر في بعض النصوص، وذلك في محاولة منهم لتحقيق الأهداف التي كانت مطروحة في المجلس التأسيسي، مضيفاً: «وأنا أعتقد أن هذا واحد من الأسباب الرئيسية التي جعلت الحكومة تقوم بتزويرها لأنها كانت تخشى الحقيقة».

وبيّن السعدون أن أحد الأسباب الرئيسية لتعطيل الحياة النيابية في عام 1986 هو فقدان السلطة للتأثير داخل المجلس، وليس كما قيل إن الاستجوابات الأربعة التي قُدمت إلى الوزراء هي سبب الحل، فهي لم تكن قضية أساسية، فقد افتقدت الحكومة الأغلبية التي كانت تتمتع بها في معظم المجالس، وخصوصا في مجلس عام 1981، وفقدت الحكومة الأغلبية من أول يوم فلأول مرة تعجز الحكومة عن أن تنافس في أن يكون لها مرشح في الرئاسة، وجميعنا نعلم أن السلطة تحتاج إلى أن يكون لها مرشح لكنها اضطرت إلى سحبه. لذلك فإن مجيء مجلس 1985 بتشكيلة حملت تمثيلا من كل التيارات السياسية في البلاد مكنته من ممارست سلطاته الدستورية لأول مرة في ما يتعلق بالرقابة التي افتقدتها المجالس السابقة، وحاول أن يذهب أبعد من ذلك عندما كلف حمد الجوعان القيامَ بالتحقيق في محافظ البنك المركزي وهو ما رأته الحكومة تجاوزا.

وأضاف: «السبب الرئيسي للحل ليس الاستجوابات، بل هو ما يطرح حالياً من قبل السلطة وبشكل واضح عن محاولة تنقيح الدستور ومحاولة المجيء إلى بدائل صارت مطروحة، فجاءوا بمجالس المحافظات والآن بدأوا باتصالات لإيجاد مجلس استتشاري، والسؤال المطروح الآن: هل ترغب السلطة بأن تعود الحياة النيابية بالشكل الذي كانت عليه أم الرغبة في أن تكون هناك حياة نيابية مختلفة؟». مشيراً إلى أن الأمر بات واضحا في ذهن السلطة «بأنه ما عاد في قبول بأن تستمر التجربة الديموقراطية والحياة النيابية.

مجلس بديل

وكشف السعدون عن اتصالات تمت هذه الأيام من رئيس السلطة التنفيذية وبعض أعضائها حول إمكان إيجاد البديل لمجلس الأمة، مضيفاً: «لقد قيل في هذه الأيام بشكل واضح وصريح من قبل المسؤولين أن لا عودة إلى التجربة النيابية بالشكل الذي كانت عليه».

ثم قدم النائب أحمد باقر استعراضاً قانونياً لحل مجلس الأمة، في محاولة لتثقيف المواطنين بمدى خطأ الإجراءات التي أقدمت عليها السلطة، فبين أن حل المجلس وتعليق مواد الدستور وإصدار قوانين بأمر أميري لم يرد بالدستور الذي حدد الأوامر الأميرية في حالتين، هما: تعيين نائب الأمير أو تكليف رئيس الوزراء فقط.

وضجت القاعة بالتصفيق عند تقديم النائب د. أحمد الخطيب، فبدأ قائلاً: «مساكم الله بالخير يا جماعة... الظاهر سهرتنا الليلة بتكون طويلة». ثم تحدث عن أيام عضويته في المجلس التأسيسي «أنا كنت في المجلس التأسيسي ومن واضعين دستور 1962 فلا ننفخه وايد»، مبيناً أن الدستور وضع في وقت معين أمام وعي شعبي معين، وكان العمل السياسي غائبا منذ عام 1959 فلم يكن هناك أندية رياضية أو صحف أو جمعيات، مشدداً على أن الديموقراطية السياسية بحاجة إلى جو من الحريات العامة، فهي القاعدة الأساسية لقيام مجلس ديموقراطي، «وقد راعينا هذا الأمر في ذلك الوقت، فالبلد لم كن يعيش النضج السياسي بعد»، موضحا «ما كنا راضين إطلاقاً على الدستور، قلنا في ذلك الوقت أنه دستور مؤقت ما يطوّل أكثر من خمس سنين، وسيكون هناك دستور ثاني يعطي الشعب حقوقه ليكون فعلاً مصدر السلطات ولا سلطة أخرى فوقه، فديموقراطية وسط أو زينة هذي خرابيط ما نبيها، نريد ديموقراطية حقيقية تعطي للشعب كرامته».

«يبونا ديكور»

وأشار الخطيب إلى محاولات بعض الشيوخ للوقوف في وجه الدستور، مبيناً أن العقلية السائدة لدى بعضهم هي عقلية «من هو السيد ومن هو صاحب البلد ومن هو الضيف الثقيل اللي ماله شيء، لأن حتى دستور 1962 مو عاجبهم». لافتاً إلى حوار تم بين عبدالله السالم وبعض الشيوخ الذين ذهبوا إليه مطالبين بإلغاء الدستور بعد دخول الكويت للأمم المتحدة، فرد عليهم عبدالله السالم بالقول «إذا مجلس الأمة يتكلمون فإنتوا عندكم لسان، ردوا عليهم واللي ما يقدر، هذا الباب».

وبين الخطيب أن نظرية حكم الفرد أو الحزب الواحد أثبتت فشلها، لأن هذا الحكم يعتمد على أجهزة القمع الأمنية بدلاً من الحماية الشعبية، مشدداً أن على النظام أن يحتمي بقلوب شعبه فلمصلحة من نقدم على مخاطر من هذا النوع؟ مبيناً أن ما هو مطروح حالياً لا يخرج عن العقلية ذاتها سواء في قضية مجلس شورى يعين أو ما يطرح من تعديل للدستور، وموضحا «هذه الصلاحيات البسيطة يريدون يشيلونها، حق الرقابة المالية يريدون يشيلونه، حق المجلس بالتشريع يبون يشيلونه... يعني يبونا ديكور»، مشدداً أن هذا الموضوع لم يعد مجالاً للنقاش بعد هذه الحشود التي تتزايد أسبوعاً بعد أسبوع.

قاربت عقارب الساعة التاسعة والربع مساءً في ما بدا أنه أطول لقاءات دواوين الاثنين حتى الآن، وكان النائب مبارك الدويلة آخر المتحدثين، وبدا أنه يسعى إلى الاختصار قدر الإمكان، فحاول من خلال حديثه الإجابة عن بعض الأسئلة التي تدور حول النواب، كأسباب التأخر في التحرك الشعبي بعد ثلاث سنوات من الحل، فقال إن النواب رأوا بعد حل المجلس وجود قطاع كبير من الناس يعتقدون أن الحكومة لديها مفاتيح سليمان لحل مشاكل الناس، وعلى الرغم من علمنا بأن مفاتيحهم «مْصَينَة لا تفتح حتى الأبواب، إلا أننا قلنا نعطيهم فرصة لنؤكد ما كنا نقوله بعد حل المجلس»، مبيناً أن ثلاث سنوات ونصف كانت كافية لتغيير قناعات الناس، وتؤكد لهم أن الوضع أصبح أسوأ، ووجدناها فرصة أن نحول أسلوبنا من أسلوب معني بمجموعة النواب إلى أسلوب جماهيري.

وتطرق الدويلة إلى سؤال وجه إليه من أحد المواطنين عن رأيه في تكوين مجلس للشورى فقال إنه يعارض ذلك، ورد عليه المواطن «بس تعالوا انتم متدينين ومجلس الشورى لازم تأيدونه لأن هذا مفهوم إسلامي»، فرد عليه الدويلة «مجلس الشورى بالمفهوم الإسلامي نقره، فالشورى بالإسلام ملزمة، لكن هل هذه هي الشورى هي المقصودة في مفهوم اليوم؟»، مبيناً أن المقصود في ما يطرح هو مجلس استشاري يمكن تعيينه بقرار وإزالته بقرار، وهذه استشارات مرفوضة، فقضية دستور 1962 أمر لا مساومة فيه.

واختتم النائب صالح الفضالة اللقاء، معلناً للحضور «إخواني، الأسبوع القادم عطلة (رأس السنة) وبعد الأسبوع القادم سيكون لقاؤنا عند أحمد الشريعان في الجهراء، قرب نادي الجهراء الرياضي في 8/1/1990 الساعة 7 مساءً»، فهمّ الحضور بالخروج في انتظار لقاء مشابه في الجهراء بعد أسبوعين، لكن ما يخبئه القدر كان أكثر من ذلك.

الخطيب: في المجلس التأسيسي ذهب بعض النواب لتقبيل خشوم الشيوخ فنبههم على ذلك عبداللطيف الغانم

أشار النائب الدكتور أحمد الخطيب إلى حادثة جرت في المجلس التأسيسي تصف الوعي السياسي في ذلك الوقت، قائلاً: «أنا أذكر في أول جلسة من المجلس التأسيسي كنا قاعدين، وكان طبعاً مجلس الوزراء الأول فيه 11 شيخ، وما وعينا إلا ربعنا وزملائنا من النواب يصفون طابور عليهم يحبون خشومهم. وأنا ما ألومهم لأن هذا الوضع اللي كانوا عايشين فيه قبل الانتخابات وبالتالي بالنسبة لهم نقلة مو واعينها، فما يعون شنو مجلس الأمة وشنو هم وشنو قيمتهم وشنو يمثلون لذلك ما ألومهم. بس قضبناهم وقلنا على الأقل هذا مظهر ما يصير يكون موجود في الجلسة الأولى، في صحافة وفي أجانب. وذهبنا إلى رئيس المجلس الله يرحمه عبداللطيف ثنيان الغانم وقلنا له يا عم بو بدر ترى هذه الأشياء فشيلة جدام الله وخلقه، واحنا عارفين بالموضوع، قلنا هذا مظهر لا يتكرر. وفعلاً قضبهم جزاه الله ألف خير وقال لهم يا جماعة تعالوا ترى أنتم ممثلي الشعب الكويتي تحملون شرف الشعب الكويتي فلا تذلون أهل الكويت».

سجال بين السعدون وعبدالرحمن العوضي في ديوانية باقر  بشأن وثيقة مجموعة عبدالعزيز الصقر

كشف رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون أثناء حديثه عن حوار دار بينه وبين وزير التخطيط عبدالرحمن العوضي في ديوانية النائب أحمد باقر قبل أسبوعين من لقاء المرشد، وكان الحوار عن وثيقة مجموعة عبدالعزيز الصقر للأمير. وفي ما يلي نص حديث السعدون:

«قلنا للعم عبدالعزيز الصقر أنه لا يجوز أن تبقى هذه الرسالة، مع كل تقديرنا لأسبابكم، حبيسة الأدراج بل يجب أن تنشر لسبب واحد على الأقل، وقد ذكرت له حادثة صارت معي في الأسبوع قبل الماضي، وكنت في ديوانية أحد الزملاء الأخ أحمد باقر وكنا نتحدث عن جهد الإخوان الـ45، وكان موجود وزير التخطيط وكان ينتقد موقف الإخوان الـ45 وعدم مقابلتهم سمو الأمير لما طلب منهم أنه يمكن أن يأتي منكم ثلاثة أو أربعة بدون رسالة، وكنت أقول له أنه مع كل تقديري لرأيك نحن حقيقة نؤيد أي موقف يتخذونه الأخوة الـ45 لأن إذا ما كانوا مثل حرصنا فهم بدون شك كانوا أحرص منا على عودة الحياة النيابية، لكن موقفهم كان واضح وهو أنه لا صفة لهم أن يذهبوا بدون العريضة، وإذا كانت الحياة النيابية متوقفة على أن يذهب ثلاثة أو أربعة من الإخوان الـ45 أو غيرهم فأنا أعتقد -وهذا الكلام اللي قلته له- أنا أعتقد بأن مع كل تقديري للإخوان لكن المجموعة اللي راحت وهم: العم عبدالعزيز الصقر والعم عبدالرحمن البدر والعم حمود النصف، فهم من حيث السن أكبر من الإخوان ومن حيث المكانة أيضاً أبلغ -مع كل تقديري للإخوان-، ومع ذلك ذهبوا بتاريخ 4/7/1989 وقدموا الرسالة وتحدثوا عن عودة الحياة النيابية ولم يستجب لهم. كنت أقول للعم عبدالعزيز الصقر تعال اشهد على كلام وزير التخطيط، فقد رد علي الأخ الدكتور عبدالرحمن العوضي «صحيح راحوا لكنهم أشاروا إلى الحياة النيابية على الشلّاعي (وتعني بدون إعارة أي اهتمام)» وأمانة أنا أسكتني لسبب واحد وهو قدرة وزير التخطيط كعضو في الحكومة على الاطلاع على وثيقة من هالنوع أكبر مني أنا. وقلت للعم عبدالعزيز الصقر: لو كان مضمون الرسالة معلوم للجميع هل ممكن أن يسكت الواحد على الكلام الذي قاله عبدالرحمن العوضي أمام هذا الجمع؟، وقد كانت ديوانية الأخ أحمد باقر مليانة. قلت للعم عبدالعزيز: إذا المواقف قاعد تشوه وهذا موقفك الآن ليس فقط موقف سيحفظه التاريخ بل هو حتى حماية لموقفكم، وهو أيضاً موقف مهم جداً لسبب آخر، وهو أن هناك قطاعات كبيرة في الساحة الشعبية تعمل وبشكل جاد وقوي لعودة الحياة النيابية وسترى من أي موقف تراه من قبل أي مجموعة، وبالذات منكم، سيشد من عضدها وأيضاً سيرفع من معنوياتها. وأعتقد أن مجرد إطلاعنا على الرسالة كان نوع من الإظهار لما تضمنته لكن هذا غير كافي في هذه الرسالة التاريخية المتضمنة أربع صفحات ونصف ما فيها شيء غير عودة الحياة النيابية وبشكل واضح وصريح، هذه الرسالة اللي أشار إليها وزير التخطيط وقال: والله لما تحدثوا الجماعة تحدثوا على الشلاعي!».

من أشعار ديوانيات الاثنين

أحلى شعب

شعبي يا أحلى شعب عزمك مهو عادي

حلمك على من جهل وعدلك مع العادي

صدقك مع من تحب وويل الذي تعادي

طبعك سخي من أبد وما تعرف المنة

غير الذي في السما ما ينطلب منه

وان قاموا كل الشعب محدٍ قعد منا

واللي وعدني لزم يوفي بميعادي

يناير 1990

الشهيد الأسير النائب فيصل الصانع والنواب عبدالله النفيسي وجاسم القطامي ومبارك الدويلة
ملحقات
التجمع الشعبي الرابع في ديوانية محمد المرشد في الخالدية 25 - 12- 1989
السعدون يتحدث عن رسالة رجال الكويت لسمو الامير
النائب الدكتور احمد الخطيب دستور 62 مؤقت وجاء مراعاة للظروف انذاك
النائب مبارك الدويلة لماذا الان بعد ثلاث سنوات ؟
النائب محمد المرشد يرحب بالحضور وموفدي السلطة

 

 

الحلقة الثامنة

ديوانيات الاثنين: الحدث ليس بعيداً ولا يمكن نسيانه
موقعة الجهراء : السلطة تعتدي على المواطنين
شكلت علامة فارقة في التحرك الشعبي وامتداداته الاجتماعية
(8)
جاسم القامس وضاري الجطيلي
 
منذ تسعة عشر عاماً وتحديداً في الرابع من ديسمبر 1989، حين كانت الكويت تعيش زمنا مأزوماً بلا دستور، بدأت «الحركة الدستورية»، وهي تحالف شعبي موسع قاده 30 نائباً في مجلس الأمة الذي حُلَّ عام 1986، وفعاليات مبدعة من مختلف قطاعات الشعب الكويتي، المطالبةَ بإعادة العمل بالدستور الذي تم الانقلاب عليه وتعليق بعض مواده وفرض الرقابة المسبقة على الصحافة وقمع حرية التعبير في الثالث من يوليو 1986.

وبما أننا نعيش هذه الأيام في أجواء تأزيمية وحالة احتقان سياسي ملحوظ، وتتردد أقاويل هنا وهناك عن أن النية قد تتجه إلى انقلاب ثالث على الدستور، فإنه من الضرورة بمكان التذكير بما جرى في البلاد آنذاك عسى أن تنفع الذكرى.

على مدى هذه الحلقات تروي «الجريدة» قصة التحرك الشعبي بين عامي 1986 و1990.

«منعت وزارة الداخلية كل المظاهرات السياسية في الكويت بعد أن فرقت الشرطة مساء يوم الاثنين في إحدى ضواحي الكويت اجتماعاً سياسياً حضره عدة آلاف من المواطنين الذين طالبوا بعودة الحياة البرلمانية في البلاد. وقد صرح مصدر مسؤول في وزارة الداخلية بأن الوزارة قد اتخذت إجراءات لفض الاجتماع الذي دعي إليه في إحدى الديوانيات، ونشر هذا التصريح في الصحافة الكويتية يوم الثلاثاء. ويلاحظ أن الصحافة الخليجية قد غطت حدث المظاهرات بصورة واضحة، وقد استخدمت قوات مكافحة الشغب فيها القنابل الصوتية والعصي لمنع الناس من التجمع حول مكان الاجتماع في منطقة الجهراء، التي تقع على بعد 30 كيلومترا من مدينة الكويت».

الكويت في 10 يناير 1990 – وكالة الصحافة الفرنسية

لم يكن لاحتفالات رأس السنة في ذلك العام (1990) شكلٌ مختلف عن الأعوام الثلاثة التي سبقته، فكان منظر البلاد باهتاً ومواطنوها يتوجسون ريبة من تصرفات السلطة، وبدا جلياً خلال الأسبوعين الماضيين أن الانقسام في الرأي داخل الحكم قد حسم لمصلحة الجناح الأكثر تشدداً، والذي كان يرى ضرورة وقف التحركات السلمية لديوانيات الاثنين، وأصبح ذلك واضحا قبل عطلة رأس السنة بيومين في القرار الذي أصدره مجلس الوزراء في 28 ديسمبر 1989 قبل الموعد المقرر للتجمع في ديوانية أحمد نصار الشريعان في الثامن من يناير 1990، فنص القرار على «منع الدعوات العامة التي توجه لمناقشة موضوعات محددة في الدواوين الخاصة لما يمثله ذلك من خروج عن المفهوم التقليدي الإيجابي للدواوين والمستقر عليه عرفاً وقانوناً» بحسب نص بيان وزارة الداخلية الذي أصدرته في ذلك اليوم. وبعد أن رأى القائمون على الحركة الدستورية تراجع المتشددين بعد إغلاق ديوانية العنجري في 11 ديسمبر 1989 وسماح السلطة بانعقاد تجمعي مسجد فاطمة وديوانية المرشد، ساد الظن في أن التحركات الشعبية ستتم من دون منغصات أو عراقيل، لكن أحداث الجهراء في 8 يناير 1990 أثبتت عكس ذلك.

التحضير

 

كان المدخل لكل قادم إلى ديوانية أحمد الشريعان يمر عبر دوار نادي الجهراء الذي تحول في ذلك اليوم إلى ثكنة عسكرية من الشرطة والقوات الخاصة والحرس الوطني بشكل لم يألفه أهالي الجهراء أو أهل الكويت. ففي صباح ذلك، فوجئ أهالي قطعة 4 (أ) في منطقة الجهراء الجديدة بوجود أمني كثيف في المنطقة، ومع حلول الظهيرة حضر المئات من أفراد القوات الخاصة بآلياتهم الكبيرة من ناقلات جنود وتناكر مياه وباصات، وتجمعت في مواقف السيارات التابعة لمدرسة أم ورقة الابتدائية للبنات القريبة من ديوانية أحمد الشريعان. أعقب ذلك انتشار لأفراد القوات الخاصة وآليات الحرس الوطني في جميع شوارع القطعة في ما بدا كتحرك لردع سكان المنطقة من المشاركة في تجمع السابعة مساءً. وطوّقت القوات القطعة كاملة، وأغلقت كل الطرق المؤدية إليها ومنها، ووضعت نقاط التفتيش على مداخل الجهراء كافة، ولم يسمح لأي سيارة بدخول المنطقة إلا بعد إثبات سكن سائقها فيها من خلال البطاقة المدنية. ومع حلول الظلام واقتراب الموعد المقرر للتجمع بعد صلاة العشاء في السابعة مساءً، طوّقت القوى الأمنية مبنى ديوانية الشريعان واحتجزته ومن معه في الديوانية ومنعتهم من الخروج.

الصدام

وقف حضور يقدر بسبعة آلاف مواطن في جو شديد البرودة ومعهم النواب على مقربة من الديوانية، بعد أن استطاعوا دخول المنطقة بمساعدة أهالي الجهراء من خلال بعض الطرق الداخلية وبين البيوت، في حين وضعت القوات الخاصة طوقاً أمنياً بشرياً على بعد 100 متر من الديوانية، وبقي بعض من حضر باكرا محتجزا داخل الديوانية. وبعد أذان العشاء صلى الموجودون صلاة الجماعة، وأمهم فيها النائب مبارك الدويلة. وبعد نهاية الصلاة، حاول الجمهور التوجه نحو الحاجز الأمني البشري بغية التحدث إلى الشرطة وطلب السماح للمواطنين بالمرور والتوجه إلى الديوانية. وهنا سُمح للنائب أحمد الشريعان بالخروج من الديوانية والتوجه إلى الحشد. تعالت صيحات الجمهور الكبير مطالباً بالدخول. وأخذ الحاجز الأمني يتراجع قليلاً وسط تقدم الجماهير، بينما كان واضحاً في إحدى زوايا الحشد محاولة النواب إقناع رجال الأمن بالسماح لهم بالمرور. وفجأة، ومن دون مقدمات أو تحذير، انهالت هراوات وعصي القوات على الحشد، فكانت تضرب كل من هو أمامها وتتقدم نحو المشاركين لتفريقهم ودفعهم بعيداً عن الديوانية. وسُمع صوت دوي عالٍ لما قد يكون قنابل صوتية. تفرق بعض المتظاهرين، فلجأ بعضهم إلى بعض المنازل المجاورة، بينما اختبأ البعض الآخر خلف الأشجار في الشارع المقابل، ولم يتبعهم رجال القوات الخاصة الذين عادوا إلى مواقعهم ليكونوا طوقاً أمنياً جديداً.

كان ممن تعرضوا للضرب في ذلك المساء أحد رموز الحركة الوطنية النائب السابق محمد الرشيد، وهو في السبعين من عمره آنذاك، إضافة إلى نائب مدير عام جامعة الكويت الدكتور أحمد بشارة، وعبدالمحسن الكليب وجمال النيباري وناصر الغانم ووائل عبدالله العمر ورباح الرباح وعبدالهادي العجمي ومحمد القديري والعديدين غيرهم.

كان البعض قد حاول في تلك الفترة وبعدها تحليل إقدام السلطة على الاعتد&